العراق يحترق مجددا - ساطع نور الدين (المدن)
انها الفتنة المذهبية الكبرى. وليس لها توصيف آخر. تعريفها المحدد الذي لا يقبل الشك، هو انها انتفاضة سنية على حكم شيعي، في البلد الذي كان عبر التاريخ الاسلامي خط اشتباك دائم بين اتباع المذهبين، اللذين كان تعايشهما صعبا حتى في ظل الغزوات الاجنبية المتلاحقة، وكانت مذابحهما محيرة حتى للمحتلين الآتين من الشرق او من الغرب، والذين ما تركوا يوما تلك الارض إلا لانها ممسوسة.
يمكن إلصاق الكثير من الخلفيات والابعاد الراهنة على تلك الفتنة، لكنها كلها لا تموه اللغة التي يتحدث بها اليوم سنة العراق وشيعته على حد سواء، ولا تخفي السيوف والخناجر التي استلها الجانبان من كتب التاريخ ونصوصه، وشرعا في استخدامها بشكل وحشي مروع، يمكن ان ينتهي الى واحدة من اكبر المذابح التي عرفتها البشرية.. فقط لانه ليس هناك محتل اجنبي، عثماني او بريطاني او اميركي، يمكن ان يفصل بينهما على نحو ما جرى في القرن الحالي او الماضي او الذي سبقه. والتاريخ شاهد.
ليس هناك سند قوي لاي كلام عن ان تلك الفتنة، التي يبدو انها ستكون الأخطر على مر العصور، ناجمة عن تغذية خارجية للصراع. ثمة رياح دينية تهب على العالم الاسلامي منذ عقود، وها هي تبلغ الان نتيجتها الطبيعية.. قعرها الحتمي.وليس لها بيئة أخصب من العراق وسنته وشيعته واجدى من خوض ذلك الاختبار الاخير، وتسوية ذلك الخلاف القديم حول مجريات موقعة الجمل غير المحسومة، وآفاق ذلك النزاع المقيم حول أحقية الخلافة ووراثتها.
لا يمكن لتلك الفتنة ان تتصل اتصالا وثيقا باي صراع خارجي، اقليمي او دولي. ليس هناك في واشنطن او موسكو قراءات او ولاءات سنية او شيعية تسمح على سبيل المثال بربط المذبحة الدائرة الان في العراق بالازمة في اوكرانيا، او حتى بالمفاوضات النووية مع ايران، او ربما بمعركة الخلافة في السعودية. لعل العراقيين فقط ينتهزون الان فرصة انشغال العالم المحيط بهم بمشكلاته الخاصة لكي يصفوا حساباتهم التاريخية. ثمة استفادة عراقية لا شك فيها من تشجيع سعودي وايراني، ومن عداء ثنائي متبادل لم يسبق له مثيل في منطقة الخليج. أما ان ينسب التمرد العراقي السني اليوم الى قرار الرياض وحده، او ان يعزى صلف الحكم الشيعي الى قرار طهران وحده، فهو تقليل من شأن العراقيين ومن شقاقهم ومن قدرهم.
المؤكد ان اجراس الانذار قرعت اليوم في العاصمتين السعودية والايرانية، واعلنت حالة التعبئة القصوى، ولن يكون من المستبعد ابدا ان يتصاعد حشد القوات وارسال المقاتلين وتوجيه الاسلحة وتحويل الاموال الى تلك الجبهة المستعرة، التي تشكل مختبرا حاسما لموازين القوى الاسلامية والعربية، ويمكن في اي وقت ان تتحول الى اشتباكات على حدود السعودية وايران، او ربما بينهما مباشرة.. ويكون الاميركيون وسطاء وسعاة خير بين البلدين اللذين يحظيان بقدر متساو من الاحترام والتقدير الاميركي.
ثبت بما لا يدع مجالا للشك ان "داعش" ليست سوى واجهة، او مظلة لحالة شعبية سنية واسعة ومتنوعة حملت السلاح ضد الحاكم الأخرق في بغداد، وقررت بكامل وعيها ان تسير خلف شعارات وسياسات وممارسات ترجع الى زمن الفراق الاسلامي الاول. تحت هذه المظلة يقاتل اليوم بعثيون وليبراليون وصوفيون واسلاميون، يعتبرون ان عاصمة العراق سلبت منهم وآن الاوان لاستعادتها.
وثبت بما لا يدع مجالا للشك ايضا ان نوري المالكي ليس سوى رمز لظاهرة شيعية شعبية واسعة النطاق تنشد الثأر المؤجل منذ واقعة كربلاء، وترى ان الفرصة قد حانت لتصفية ذلك الحساب القديم، وغيره من الحسابات التاريخية المعلقة، لكي لا يتكرر السبي، ولا تتجدد الفاجعة: لا بديل سوى القتال حتى الرمق الاخير.. ولا مجال سوى الاتكاء على الحليف الايراني الوثيق، وربما لاحقا على الغارات الجوية الاميركية من دون طيار.
ثمة عراقيون، سنة وشيعة، يقفون اليوم في الوسط، لكنهم لا يشكلون غالبية صامتة، بل اقلية مذعورة، يمكن ان تكون الضحية الاولى لذلك التوتر المذهبي الذي لا سابق له.
العراق يحترق مرة أخرى.. ولا من يطفىء النار.