الحرب الاميركية الثالثة في العراق - ساطع نور الدين (المدن)
إنها الحرب الثالثة التي يطلقها الاميركيون في العراق، بعد حربي العام 1990 والعام 2003. زعمهم انها لن تكون هذه المرة حرباً شاملة، واسعة النطاق،بل عملية محدودة، ليس له أي سند. صحيح انه غير راغبين او غير قادرين على خوض مثل هذه الحرب، لاسباب داخلية حاسمة، سياسيا واقتصاديا، لكن جميع الحروب الكبرى في التاريخ، لا سيما التي شنها الاميركيون بالذات، بدأت بعمليات محدودة، محددة الاهداف، لكنها انتهت الى عمليات قتل جمعي ودمار تام لدول وشعوب كاملة.
الغارات التي ينفذها الطيران الحربي الاميركي الان على مواقع تنظيم داعش هي أشبه بإستعراض عسكري. يدرك الاميركيون قبل سواهم أن لا حرب تحسم من الجو وبواسطة سلاح الجو وحده. فالعدو المتمركز على الارض لا يمكن ان يهزم بغير قوات برية، تقول واشنطن الان انها لا تنوي نشرها مجددا على الارض العراقية، لانها لا تمتلك الحافز او حتى التفويض للتضحية بجنود اميركيين من اجل قضية لا تعني الشعب الاميركي ولا تهمه.
ثمة من يعتقد ان وصفها بالحرب الاميركية الثالثة على العراق يحتمل الكثير من المبالغة. الاقرب الى الصواب انها عملية تصحيح اخطاء الحرب الثانية التي شنها الاميركيون في العام 2003 وخرجوا منها في العام الماضي، بعدما خلفوا وراءهم خراباً عراقياً لم يسبق له مثيل.. واثبتوا ان تلك الحملة العسكرية لم تكن سوى عملية ثأرية من هجمات 11 ايلول 2001 لا أكثر ولا أقل، تخللها اسقاط نظام لم يكن متورطا في تلك الهجمات وتقويض دولة لم تكن متصلة بها وتفكيك مجتمع لم يكن له دور بها لا من قريب ولا من بعيد.
شاء القدر ان يكون العراق هو الضحية بعدما بدا يومها ان غزو افغانستان لم يشف غليل الاميركيين. نزل الوحي في حينه على الرئيس الاميركي جورج بوش وحمله حسب تعبيره رسالة اصلاح وتغيير في العالمين العربي والاسلامي تشق طريق الخلاص من شر الارهاب وتجفف منابعه. وهو، بالمناسبة، ما يردده اليوم بالحرف خليفته باراك اوباما.. من دون ان يعلن حتى الان حالة التعبئة القصوى للقوة العسكرية الاميركية والاطلسية.
الفارق الوحيد هو ان تنظيم القاعدة الذي كان دافع الاميركيين الى الحرب في تلك الفترة إنشق، وإنبثق عنه تنظيم داعش الذي يكاد يبدو معه ان الاصل كان رحوماً، مسالماً، او حتى اصلاحياً..وهو الان موجود في العراق وسوريا علنا، ومنتشر سرا على شكل خلايا نائمة في غالبية الدول العربية بما فيها لبنان، ومصر.
بتردد شديد تبدأ اميركا الحرب الثالثة. هدفها المباشر الدفاع عن الاقليات العراقية الايزيدية والمسيحية والكردية، وطموحها الضمني عدم تحويل القوة العسكرية الاميركية الى فرقة مقاتلة او حاملة طائرات موضوعة في تصرف الشيعة العراقيين، كما كان عليه الحال في العام 2003. ثمة رغبة معلنة في تصويب ذلك الخطأ التاريخي، الذي أشعل العراق وألهب سوريا، من دون تقديم جدول اعمال سياسي واضح، والاكتفاء حتى الان على الاقل بابداء الرغبة في ان تتشكل سلطة عراقية جديدة لا تستثني احداً ولا تضطهد احداً.
لعل ثمة رابطا بين قرار اوباما اجازة العمليات الجوية ضد مواقع داعش وبين اعلان رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي ان عدم منحه ولاية ثالثة في منصبه يؤدي الى الجحيم. لكن من السابق لأوانه الجزم في ان تلك الحرب الثالثة التي تستبعد بغداد الان وتركز على الشمال العراقي، كما في الحرب الاولى في مطلع التسعينات، تستهدف الرد فقط على تهديد المالكي، او على خطر رعاته في طهران. هذا الهدف وارد طبعا، لكنه لن يشكل باي حال من الاحوال سببا كافياً لوقف الحرب الثالثة.
على الارض، يقف داعش اليوم، الذي لم يكن حاضراً في الحربين السابقتين، وهو على الارجح يحتفي بالغارات الاميركية التي يمكن ان تكسبه المزيد من القوة والشرعية وربما الشعبية.. لكن المؤكد انها ستساعده في كسب المزيد من الجغرافيا. الا اذا كان مخطط الاميركيين في المرحلة الاولى من الحرب هو طرد الداعشيين نحو بلاد الشام. وهو إشتباه جدي، يصعب دحضه بعدما أكد كبار المسؤولين الاميركيين ان الضربات الجوية لن تمتد الى سوريا.
انها الحرب الثالثة، التي بات الجميع يعرف كيف بدأت، لكن احداً لا يعرف كيف ومتى تنتهي؟