النظام المالي ينذر النظام السياسي - غسان العياش (السفير)
يفتش الاقتصاديون والمصرفيون عادة، عن ألطف العبارات والأساليب الديبلوماسية لتمويه الواقع ومنع الذعر. ولكن الحقيقة يجب أن تقال بين الحين والحين، ولو بخطوطها العريضة: إذا استمرت فوضى المالية العامة على ما هي عليه، في جوّ من الانقسام الوطني وعدم الاستقرار السياسي، فقد يتعرض لبنان، يوماً ما، لأسوأ أنواع الأزمات المالية والنقدية والاقتصادية التي شهدتها دول أخرى من العالم.
وفي أحسن الأحوال، إذا ابتعدنا عن الهاوية التي نقف الآن على شفيرها، وساعدتنا ظروف عجائبية على عدم السقوط فيها، سيواصل اللبنانيون لأجيال مقبلة دفع ثمن اقتصادي واجتماعي باهظ، بسبب تلكؤ الطبقة السياسية في القيام بواجباتها، وتنكرها لأبسط القواعد الرشيدة في إدارة شؤون البلاد.
تعتقد الدولة، مثلاً، أن لمصرف لبنان والمصارف التجارية قدرة غير محددة على تمويل ديونها وتخليصها من المآزق والاستحقاقات، ويكفي أن تؤدي لقاء ذلك فوائد وإغراءات لكي تنتهي كل مشاكلها. وهذا الاعتقاد مضر كثيراً، عدا عن كونه غير صحيح.
هذه السياسة «الخرقاء» التي كانت مغرية جداً للمصارف، قبل أن تهبط معدلات الفوائد إلى مستويات «طبيعية»، لم تعد تتمتع بشعبية واسعة في الوسط المصرفي. فالاستشعار بجسامة المخاطر المحتملة يدفع المصارف أكثر فأكثر إلى رفع الصوت ومطالبة الدولة بضرورة إصلاح أوضاعها المالية.
لا يكفّ رئيس جمعية المصارف الدكتور فرنسوا باسيل عن مطالبة الدولة بتحقيق الإصلاح الإداري والمالي، أي تفعيل الإيرادات وترشيد النفقات، وقد لوّح مراراً بتوقف المصارف عن إقراض الدولة إذا استمرّ تخليها عن مسؤولياتها وتلكئها في تحقيق الإصلاح.
المصرفي العريق الدكتور نعمان الأزهري أصدر قبل أيام كتيّباً عن «المخاطر المالية على لبنان»، أشار فيه إلى سلة من المخاطر التي تحيط بالنظام المالي اللبناني، جراء إمعان الدولة في تأجيل الإصلاح واستمرارها في إضاعة الفرص. وفي الكتيّب اقتراح يؤدي بالنتيجة إلى توقف المصارف عن الاكتتاب بالسندات الحكومية الجديدة، خصوصاً بالعملات، والاكتفاء بتجديد السندات المستحقة، إذا لم تستجب الحكومة لمطلب الإصلاح «والتوصل إلى وقف هذا الاستهتار».
في سياق عرضه للمخاطر المحتملة نبّه الأزهري إلى أن قدرة المصارف على تمويل عجز الموازنة ليست بلا حدود، بل هي مرهونة بديمومة النمو في الودائع بالعملات الأجنبية. وهذه الديمومة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالوضع الأمني والاستقرار السياسي وحسن إدارة الشؤون العامة والحياة السياسية. ولفت إلى مؤشر يدعو إلى الحذر، ويبيّن أن «نهر العملات الأجنبية» في المصارف ليس بلا حدود، وأن زخمه يتفاوت بحسب الظروف. فنموّ الودائع بالعملات في المصارف اللبنانية تراوح بين 10% و14% خلال مرحلة 2009 ـ 2011، وانخفض إلى 6% سنة 2012 و9% في العام السابق.
امتداداً لهذه المواقف، شكل التقرير الأخير لصندوق النقد الدولي إنذاراً للدولة بضرورة تحقيق الإصلاح، الذي أصبح أكثر إلحاحاً بعد تفاقم مشكلة النزوح السوري إلى لبنان. ذكر التقرير بظهور عجز في الرصيد الأولي للموازنة سنتي 2012 و2013 لأول مرة منذ سنة 2006، وإلى استعادة المسار التصاعدي لنسبة الدين العام إلى الناتج المحلي، وتوقع وصول مستوى العجز إلى 15% من الناتج المحلي سنة 2015.
طرح وزير المالية، مدعوماً من الرئيس بري، ضرورة إرساء قاعدة تشريعية للاكتتاب بسندات اليوروبوندز، وهو محق في ذلك. ولكن الخطر الأكثر إلحاحاً من الأساس القانوني للاقتراض يتمثل باحتمال عجز الدولة، يوماً ما، عن تجديد سنداتها بالعملات الأجنبية وعدم قدرتها على تغطية العجوزات المستجدة في الموازنة.
فعدم الاستقرار يبعد غير المقيمين أكثر فأكثر عن الاقتصاد الوطني، وهم المصدر المهم الذي يرفد الجهاز المصرفي اللبناني بالعملات الأجنبية. والخطر الآخر هو في الارتفاع الآتي في كلفة الدين العام، لأن الدولة استفادت من انخفاض معدلات الفائدة بسبب إجراءات التيسير التي اعتمدتها الدول الصناعية لمواجهة آثار الأزمة المالية التي ضربت العالم، ومع تخلي الدول حتماً عن المعدلات المنخفضة سوف تدفع الدولة اللبنانية من «اللحم الحي» ثمن التحوّل العالمي في أسعار الفوائد.
فهل من يسمع التحذيرات وأصوات الاستغاثة الآتية من مختلف المصادر؟