إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

البابا فرنسيس يحطم أهم تابوهات الكنيسة - سعد كيوان (العربي الجديد)

 خطا البابا الارجنتيني فرنسيس خطوة شجاعة وغير مسبوقة في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، عندما احتفل أمس الأول في كنيسة القديس بطرس، في حاضرة الفاتيكان، بزفاف جماعي ضم من بين المتزوجين اثنان كانا يعيشان منذ مدة مع بعضهما تحت سقف واحد قبل ان يبارك البابا زواجهما.
انه قرار جريء حطم من خلاله الحبر الأعظم تابوها من أهم تابوهات الدين، وركيزة من أهم الركائز التي تقوم عليها العائلة والمجتمع التقليدي المحافظ منذ آلاف السنين، اي تحريم الزنى الذي يشكل أحد "الوصايا العشر" التي على المسيحي المؤمن ان يلتزم بها. فالكنيسة الكاثوليكية تحرم العلاقة الجنسية قبل الزواج، وتعتبرها خطيئة لا تغتفر، وخروجا على تعاليم الكنيسة وجوهر الدين.
كما ان مبادرة البابا فرنسيس، في ما يخص هؤلاء الزوجين بالتحديد، تنطوي على خطوة إضافية تجسدت في "تشريع" الطلاق الذي لا تسمح به الكنيسة، اذ ان المرأة كانت متزوجة ومطلقة ولها صبي من زوجها السابق، اصطحبته معها الى حفل العرس، وتقصد البابا السلام عليه ومنحه البركة. وقد قال فرنسيس كلاما لافتا للزوجين بعد حفل الزفاف: "ليس المهم ان يتساكن شخصان قبل الزواج او ان يتبادلا تراشق الصحون بعده، وانما المهم ان تعرفا كيف تحافظان على المحبة والسلام بينكما".
لا شك ان ما قام به بابا روما يشكل ثورة لم يتجرأ عليها أحد قبله من الباباوات في تاريخ الكنيسة، ولا حتى المجمع الفاتيكاني الثاني، الذي انعقد عام 1965، بدافع من البابا يوحنا الثالث والعشرون، والذي اتخذ قرارات جريئة في مفهوم الايمان، وإجراءات مهمة في مجال الاصلاح الديني.
ان ثورية هذه الخطوة تكمن في أنها تنطوي على تحد مزدوج، ليس فقط على صعيد الكنيسة والمعتقدات والتعاليم التي قامت وتقوم عليها منذ مئات السنين، وانما على الصعيد الاجتماعي الذي طبع المجتمعات الدينية والمدنية معا، وخاصة الشرقية منها، التي ترسخت فيها هذه المفاهيم و"القيم"، وباتت تشكل جزءا لا يتجزأ من عاداتها وروابطها وتقاليدها.
وبعد الحروب الدينية التي دامت نحو مئة سنة في اوروبا، تمكنت المجتمعات الاوروبية من "ضبط" الكنيسة ضمن حدود دورها الايماني والكنسي، وتحقيق الفصل بين الدين والدولة. وهو ما اصطلح على تسميته بالعلمانية، أي بات كل مواطن أو فرد حر في أن يؤمن او لا يؤمن، وأن يمارس قناعاته وخياراته بمطلق حرية وتحت سلطة الدولة وقوانينها، وبعيدا عن تأثير الكنيسة وفرائضها. لذلك، فان ما يطلقه بابا روما اليوم هو تحد لكنيسته بالذات وللمؤمنين بها وبتعاليمها، والذين التزموا لغاية اليوم بالوصايا العشر التي منها: "لا تزن" و"لا تشته إمرأة قريبك". وأكد في كلمته على ضرورة تخطي معضلات العلاقات الزوجية والعائلية كالطلاق والاجهاض، وظاهرة مثليي الجنس، كي لا تتخطى المجتمعات الكنيسة، ما سيؤدي الى تقهقرها وانهيارها.
لقد سلك هذا البابا منذ انتخابه، قبل سنة ونصف السنة فقط، نهجا واضحا نحو تجديد الكنيسة، وجعلها أكثر قربا من الناس. وقام بمبادرات جريئة ولافتة، بادئا بنفسه اذ غادر الجناح البابوي الفخم الذي يقوم فيه عادة البابوات، فوق كنيسة القديس بطرس، وانتقل الى دير صغير متواضع قرب ساحة الفاتيكان، وتخلى عن مظاهر البذخ والترف في لباسه وحياته وطقوسه.
ثم اطلق العنان لمحاربة الفساد المالي والاداري المعشعش في أروقة الفاتيكان، وفي ثنايا السلطة وعلى أعلى المستويات. وعمم على جميع رجال الدين ضرورة عدم اقتناء سيارات فارهة، وتساءل متهكما: "هل كان المسيح يملك حسابا في البنك؟". وكانت أول الرؤوس المتهاوية مدير "مؤسسة الاعمال الدينية" اي مصرف دولة الفاتيكان، وهو رجل دين برتبة أسقف مع مساعديه المدنيين. وأطلق حملة تطهير تدريجية، فأقصى سكريتير الدولة (رئيس الحكومة) وعين مكانه أسقفا اصلاحيا مجددا في مقتبل العمر، وتبع الخطوة تعيين مجموعة من ثمانية كرادلة كلفها مهمة وضع خطة اصلاحية شاملة وتقديمها خلال ثمانية أشهر.
كما انه دشن نهجا انسانيا بخروجه المستمر الى الحياة العامة، عبر الزيارات التي يقوم خلالها بتفقد المؤسسات الاجتماعية والصحية والخيرية، الفاتيكانية والايطالية منها، للاطلاع على هموم الناس ومشاكلهم. ودشن خطا هاتفيا مباشرا يتلقى خلاله مكالمات من يريد ان يتواصل معه أو يطرح عليه همومه. ومؤخرا كشف أحد المقربين منه ان البابا ينزل ليلا الى الشارع متخفيا بلباس عادي، ليلتقي الفقراء ويتكلم معهم ويستمع الى معاناتهم. وقد أمر بتخصيص جناح لهم في الفاتيكان يقوم بايوائهم وتقديم المعونة لهم.
طبعا، انها بداية الطريق. والاصلاح يحتاج الى وقت وصبر وأناة، وهو ليس أول بابا يحاول الاصلاح، إلا انه بدون شك أجرأهم. انما التحدي في أن يستمر ويصل.

← العودة إلى مختارات