كثرة مشاكلنا تشغلنا عن الأهم - مروان اسكندر (النهار)
لبنان الهموم يفقد رونقه، على رغم كل الاحتفالات والاصرار على اننا نرغب في اقامتها والتمتع بها، فقد اصبحنا مع هم "داعش" وما يمثله، ومشاكلنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وكأننا في غيبوبة عن مستوجبات الانجاز وتحقيق التقدم والافساح في الأمل للأجيال الطالعة.
ان همومنا المحلية التي تتفجر يوماً بعد يوم وتؤدي الى تعطيل مجريات الحياة الطبيعية فترات تطول أو تقصر، تؤثر على النشاط الاقتصادي وتمنع الراغبين في الاستثمار من الاقبال على تنفيذ المشاريع أو المساهمة في اسهم في شركات لبنانية ملحوظة. ونشهد ذلك كل يوم في تذبذب أسعار اسهم "سوليدير" حول مستويات دون قيمتها الحقيقة، وتبادل اسهم "بنك عوده" بكثافة في حلقة مفرغة لا تتبنى بإقدام مساهمين جدد على الاستثمار في شركات لبنانية هي الاكبر في المجال العقاري أو المصرفي.
والتركيز المفرط على ما يجري في لبنان يحجب عن فكر اللبنانيين التطورات الخارجية ومن هذه ما يوحي بأننا على رغم كل مشاكلنا استطعنا المحافظة على قطاع مصرفي سليم، وان الحركة الاقتصادية على تقزمها لا تزال منافسة في معدل النمو لمجموعة الدول الاوروبية.
تقرير صندوق النقد الدولي عن التوقعات الاقتصادية للسنة المقبلة خفض معدلات النمو المتوقعة في الدول الاوروبية 0,8 في المئة أي دون الواحد في المئة، وكانت التوقعات السابقة تراوح حول 1,5 في المئة. كما ان توقعات النمو في اليابان انخفضت عن الواحد في المئة في حين كانت التقديرات تشير الى تحقيق اليابان نمواً على مستوى 1,5 في المئة. والصين، للقاطرة الرئيسية للاقتصاد العالمي والبلد ا لذي يتمتع بثاني اكبر اقتصاد في العالم، تفيد التوقعات للسنة المقبلة أي نموها سيبلغ 7,4 في المئة، وعلى رغم ارتفاع هذا الرقم بالمقارنة مع المعدل المتوقع في أوروبا الغربية فانه يبقى دون معدلات النمو في السنين العشر المنصرمة في الصين.
ولعل المؤشر الاكثر اثارة للتخوف هو توقع جمود نمو الاقتصاد الالماني، فقد انخفض حجم الدخل القومي الالماني بنسبة 0,8 في المئة في الفصل الثاني من هذه السنة، أي من نيسان الى نهاية حزيران، والمؤشرات الاحصائية تشير الى تقزم بنسبة واحد في المئة في الفصل الثالث المنتهي بنهاية ايلول، وتالياً لن تحقق المانيا نمواً. وتقديرات صندوق النقد الدولي، ان هذا الوضع هو الاكثر تأثيراً على انخفاض معدل النمو في أوروبا، لان المانيا تمثل رابع اكبر اقتصاد في العالم (بعد الولايات المتحدة والصين واليابان)، وهي ثانية كبرى الدول المصدرة في العالم، ولذا فان تقلص حجم انتاجها الكلي ينبىء بانكماش متوقع على الصعيد العالمي.
اضافة الى جمود الاقتصاد الالماني وتراجعه، باتت ثمة مطالبات عدة من فرنسا وايطاليا واليونان وبولونيا والبنك الاوروبي، بتخفيف القيود التي تدعو اليها المانيا على الانفاق. بكلام آخر، الفلسفة الالمانية لمعالجة نتائج الازمة المالية الاقتصادية صارت مرفوضة التي تدعو اليها المانيا، قد تكون هنالك حال انفراط عقد اعتماد 18 دولة اوروبية على عملة موحدة هي الاورو.
في الولايات المتحدة، بدأت تظهر دلائل على توجه الادارة الحكومية نحو تشديد العقوبات على مخالفات المصارف للأصول المصرفية، وتحقيقها منافع غير شرعية من المودعين والمستثمرين، وهنالك قضايا قيد التحضير لفرض عقوبات على "دويتشه بنك"، و"سيتي غروب"، و"ج.ب مورغان تشايس"، و"باركليز" واتحاد المصارف السويسرية. ومعلوم ان جميع هذه المصارف واجهت عقوبات في السابق لاخفائها حسابات لمواطني دول طالبت بكشف ودائع مواطنيها في الخارج، أو لتسويقها سندات مسندة بديون عقارية لم يجر التحقق منها بدقة، أو التعاضد في تحديد سعر الـLIBOR بين ممثلي هذه المصارف على نحو يماثل الممارسات الاحتكارية.
الجديد في المطالبة الاميركية، وهي مطالبة من وزارة العدل، انها تتهم المصارف بالتصرف على نمو احتكاري في تسعير العملات، وبما ان عمليات تسعير العملات هي بمليارات الدولارات والاورو والين يومياً، قد تفرض عقوبات على المصارف المشار اليها ومصارف أخرى يرجح ان تضم الى اللائحة. وهذه المعلومات واردة من الصفحة 19 من جريدة "النيويورك تايمس" الصادرة في تاريخ 2014/10/8.
من المعلوم ان العقوبات المالية التي فرضت على المصارف الكبرى سواء في الولايات المتحدة، أو دول الاتحاد الاوروبي، أو سويسرا تجاوزت الـ100 مليار دولار، وآخرها كانت العقوبات التي فرضت على مصرف "ج.ب مورغان" والتي قاربت الـ17 مليار دولار. وهذه العقوبات بالتأكيد امتصت نسبة من التسهيلات التي منحت للمصارف الكبرى سواء من الاحتياط الفيديرالي، أو المصرف المركزي الاوروبي، والشكوى الاساسية اليوم في أوروبا هي من انحسار التسهيلات المصرفية للمواطنين سواء لتشجيع المشاريع الجديدة الصغيرة أو تملك المساكن والشقق.
الامر الاخطر بكثير من العقوبات وامكان تحولها عقوبات جزائية على المديرين المخالفين، ان المصارف الاميركية الكبرى لا تتقيد بشروط الملاءة التي تشير بضرورة تنفيذها سلطات بنك التسويات الدولية، الذي يشمل مجلس ادارته حكما وزير خزانة الولايات المتحدة، وممثلا للاحتياط الفيديرالي.
واستناداً الى مقال صدر أخيراً في مجلة "تايم" الاميركية بقلم رنا فوروهار بعنوان "جنون كالعادة، المسرحية نفسها" وهو يستند الى تسجيل لجلسات من المنظمات الرقابية مع مديري المصارف الكبرى، يبدو ان المراقبين كانوا دوماً متساهلين ومتعاطفين مع المخالفين، وقد سجلت وقائع عدة كارمن سيغارا التي كانت من المحققين، وحين أعلنت عما يجري سرحت من عملها.
ويبين المقال ان سيولة المصارف الاميركية الكبرى لا تتجاوز نسبة ثلاثة في المئة من التزامات المصارف. بكلام آخر، لانجاز توظيفاتها الاقراضية أو الاستثمارية، تستعمل المصارف الاميركية الكبرى 97 في المئة من الودائع والاستقراض لتحقيق عملياتها، وهذا الوضع لا يجوز وينذر بتفجر ازمة مصرفية عالمية ثانية، على أيدي المصارف الاميركية. ويؤكد استاذ الاقتصاد في جامعة ستانفورد Anat Admati الذي وضع كتاباً عنوانه The Bankers New Clothes – ألبسة جديدة للمصرفيين – ضرورة كبح جموح المصارف واعتمادها على سيولة بسيطة جداً من أموالها الخاصة... وقال لكاتبة المقال: "يجب علينا التخلي عن الفكرة القائلة بأن المصارف لها خصوصيتها ويجب معاملتها بصورة مختلفة عن بقية المؤسسات". وتشير الكاتبة الى ان سلطات الرقابة البريطانية تجري دراسة موسعة حول تأثير المصارف والاسواق المالية على الاقتصاد الحقيقي، ذلك ان أحد مديري المصرف المركزي البريطاني أكد ان التأثير لا يتجاوز نسبة الـ15 في المئة من حجم الاموال المستغلة، وتالياً فان المصارف لا تقوم بدورها في انعاش الاقتصاد.
ربما لدينا دروس مفيدة من التوجهات والآراء المشار اليها. والواقع ان نسبة الملاءة في المصارف اللبنانية تفوق نسبة الملاءة في المصارف الاميركية الكبرى أربعة أضعاف. والمصارف اللبنانية لا تزال تمارس التمويل لحاجات الاقتصاد، وحتى تمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة العاملة في مجالات حفظ البيئة وتطوير التكنولوجيا.
ان مراجعتنا لما يجري في الخارج وتقويم خبراء في بريطانيا والولايات المتحدة لمخاطر النشاط المصرفي في بلدانهم، تؤكد ان لبنان أقر خطوات رقابية أكثر فاعلية من الاحتياط الفيديرالي والهيئة المشرفة على الاسواق المالية في بريطانيا. وهذان الاحتياط والهيئة يتجهان الى اقرار خطوات اقرها ومارسها لبنان والمصرف المركزي منذ سنوات.
نذكّر بأن لبنان عام 2009 ونتيجة الازمة المالية العالمية وتدهور الثقة بالمصارف الدولية، استقبل 25 مليار دولار من ودائع اللبنانيين في الخارج، ولو كان مناخ الامن مستقراً والنزعات السياسية ذات معنى حقيقي، لكان لبنان استطاع استقبال مبالغ مماثلة، وتجاوز أي عجز على حساب ميزان المدفوعات واستعاد نفس النمو.
المهم ان نستفيق عاجلا لا آجلاً.