إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

تحية للكاتب المجهول - ساطع نور الدين (المدن)

 لكل صحافي أساتذة وقراء سريون،لا يكشف عنهم ولا يبوح باسمائهم، لكنه يعرفهم واحداً واحداً، يشعر احيانا انه يكتب لهم وحدهم، ومن اجلهم فقط، ولا تعنيه بقية القراء. يهديهم مقالاته من دون ان يذكرهم، ويتخيل ردود فعلهم، على فكرة او خاطرة او حتى نكتة كتبها، ويتوقع ان تنال استحسانهم.. وتعمق إحساسه بمتعة الكتابة. يتكرر ذلك الامتحان الصعب مع كل نص مكتوب، موجه الى الجمهور الذي غالبا ما كان الافتراق عنه تحدياً، والاختلاف معه جرأة، حتى جاز الادعاء في بعض أوساط المهنة ان الكاتب المميز هو الكاتب الذي يستهين بالقراء ولا يأخذهم في الحسبان، لانهم في معظمهم يزعمون القراءة، ولا يدركون كتابات النخبة وكتابها ومقاصدها، الموجهة الى علية القوم. بمثل هذا الخيال، المتعارض مع جوهر مهنة الصحافة ومهمة الكتابة، بدأت الرحلة مع منح بك الصلح، الكاتب الصحافي الأبرز والأهم من جيل الستينات والسبعينات. لم تكن مجايلة، بل كانت محاضرة مفتوحة، مصدرها ما كان يوصف بأنه موسوعة متنقلة في السياسة والتاريخ والاجتماع والدين والفلسفة.. دائرة معارف مجانية، كما كان يحلو تسميته، حيث لكل سؤال جواب دقيق ومحدد وموثق ومشفوع بالادلة.. لكن الخاتمة تكون عادة بسخرية لامعة، ترسخ الاجابة في الذهن، وتتحول الى فاتحة لأسئلة لا تنتهي، ولا تعرف المحرمات. لم يتحول منح بك الى نجم صحافي، مع انه صنع معجزات صحافية، وساهم في تكوين أقلام صحافية بارزة ما زال معظمها حياً. لم يكتب باسمه، الا في المراحل الاخيرة من العمر، لا حرصاً على شرف العائلة الذي يجب الا يمس بترهات، بل لان الصحافة مهنة لا يطمح اليها البك، مثلها مثل السياسة التي هي قدر، يتطلب من حين الى آخر التواجد في مؤسسة صحافية مرموقة، للكتابة الحرة التي تفتح او تستكمل نقاشات دارت في الغرف المغلقة او في المقاهي المحدودة.. من دون ان يؤدي ذلك الى الاخلال بذلك التوازن الدقيق بين الصحافة والسياسة. لم يؤلف البك كتباً، لكن مقالاته الاولى، لا سيما في مجلة "الحوادث"، كانت أشبه بالكتب وأهم. اما مقالاته اللاحقة في "السفير" ثم في "الرياض" وغيرهما، فكانت كتيبات بارعة، تتضمن ما يرقى الى مستوى الاكتشافات السياسية، وتحتوي على عبارات دخلت تاريخ الصحافة والسياسة في لبنان والعالم العربي من بابه الواسع، وتوجت تراث العائلة الصلحية التي غالبا ما كان طموحها السياسي معطوفا على توقٍ ثقافيٍ لم تمتلكه بقية البيوت السياسية التقليدية، السنية خاصة. لكن طموح منح بك السياسي كان منذ اللحظة الاولى متواضعاً. لعله لم يكن موجودا في الاصل، بل كان وجوده افتراضيا في ظل عمه الراحل الرئيس تقي الدين الصلح، الذي اصطحبه معه الى الملوك والامراء والرؤساء والزعماء، وشكل جزءا من هويته، لكنه لم يخمد هواه نحو ما كان يمكن ان يسمى في زمانه باليسار العربي، القومي والبعثي والناصري، الذي كان يجد عند منح بك الثناء الشديد والهزء المديد في آن واحد.. من دون ان يفسد للود قضية مع البك، او ان يقطع الحاجة الى معارفه السياسية والتاريخية التي كانت تفوق كل من حوله. القلم الهادىء الذي ظل يكتب به حتى آخر ايامه، واللسان اللماح الذي ظل يطلقه حتى الرمق الاخير، كانا وسيلة الهرب من ظلم الطبيعة وغدر السياسة، وملجأ الى تلك المهنة التي طالما أحبها وأحبته، لكنه ظل فيها جنديا مجهولا، يستحق اليوم نصبا تذكاريا. يزعم كثيرون انهم كانوا رفاق منح بك في السياسة وفي الصحافة، مع انه كان يعتبر معظمهم جزءا من قدره القاسي. لكن قلة ستعترف انها تتلمذت عليه : هذه الكلمات إعتراف متأخر.. وأكليل متواضع يعبر عن العرفان للكاتب المجهول. - See more at: http://www.almodon.com/opinion/36fe09bd-0907-48bc-bf28-c4fc10160fa6#sthash.Py8jH2Hq.dpuf

← العودة إلى مختارات