إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

عودوا أيها الأسوجيون إلى دياركم - سمير عطالله (النهار)

 عترفت أسوج بدولة فلسطين في ذكرى مرور ستة عقود على اغتيال الكونت برنادوت، أول أسوجي يسقط في سلام الشرق الأوسط. سابقتان تاريخيّتان من ديار غير متوقّعة إطلاقاً، اسكندينافيا. بلاد بعيدة في الشمال الأوروبي الهادئ، البعيد، والغارق في الحياد.
لكن الظاهرة هي أن هذه البلاد التي لا تتعاطى السياسة ولا الحروب ولا الخصومات، غرقت في رمال الشرق الأوسط حتى عنقها، تلعب دائماً دور الوسيط النزيه والسياسي الطيب السريرة. أسماء كثيرة من الشمال لمعت في أحزان المنطقة واستحالاتها وعُقدها: تريغفي لي، النروجي، وأول أمين عام للأمم المتحدة، داغ هامرشولد، الأسوجي، صاحب ألمع الشهرات السلمية في المنظمة الدولية، وغونار يارينغ، سفير أسوج في موسكو الذي عيِّن مبعوثاً أممياً خاصاً لتطبيق القرار 242 بعد حرب 1967، وتوسّع الاحتلال من أراضي فلسطين إلى سيناء والجولان والقدس والضفة الغربية.
الذين يتحدّثون اليوم عن خريطة جديدة للشرق الأوسط وتغييرات جغرافية، ينسون أن التغيير الأكبر لم يبدأ في الرقّة أو الموصل، بل في المركز التاريخي والروحي للشرق، القدس. وكان الأميرال الأميركي ألفرد ثاير ماهان (1840 – 1914) أول من أطلق على هذه الرقعة المذهلة الأهمية، تعريف أو اسم الشرق الأوسط، بعكس الشرق الأدنى كما سمّانا البريطانيون والفرنسيون، لأن كلاً من القوى الكبرى قاس المسافات الجغرافية حسب قُربها أو بُعدها منه، فإذا بنا أوسط هنا، أدنى هناك.
وبموجب تعريف الاستراتيجي ثاير فإن هذا الشرق يضمّ الصحارى والجبال والبحار الممتدة من الجزيرة العربية إلى مصر وإيران وتركيا. لم يبقَ حالم إلاّ وحاول ضمّ هذه البقعة إلى مُلكه، الاسكندر والقيصر، نابوليون وهتلر. وقد تضاعفت أهميتها مع افتتاح قناة السويس العام 1869، ثم تضاعفت الأضعاف المضاعفة مع ظهور محيط من النفط بعد أربعين عاماً.
كان هذا القسم من الشرق، أرض الديانات وحروبها، فصار إضافة إلى ذلك، أرض النفط وحروبه. خلال الحرب العالمية الثانية قال تقرير رسمي وضعه محلّلو الخارجية الأميركية إن الوصول إلى نفط الخليج أصبح جوهرياً بالنسبة إلى دور أميركا في العالم: "كيفما حلَّلنا الوضع توقّف القلم الرصاص عند نقطة ومكان رُعب واحد: الشرق الأوسط".
لماذا "منطقة ونقطة الرعب"؟ لأن قروناً من الحروب مرّت بهذه الأراضي المقدّسة. الكتب متقاربة ومتحابّة أما أبناؤها فيأخذون منها فقط ما يُحلّل حروبهم. "داعش" ليست النموذج القديم لحروب الأديان، بل النموذج الجديد لحروب الأديان والمذاهب، وفوقها الأزيديون، الذين تجنّبوا الشيطان خوفاً من غضبه ولؤمه، فإذا "المؤمنون" يطاردونهم بالموت إلى جبال سنجار. ألفا قتيل في يوم واحد!
الحروب كان لها دائماً رُعاتها ودُهاتها، السلام كان له دائماً ضحاياه، وخصوصاً في القدس: فولكه برنادوت (1948)، الملك عبدالله (1951)، إسحق رابين (1995)، وأنور السادات في القاهرة العام 1981.
تدخّل الاسكندبنافيون مرة أخرى في مفترق تاريخي للسلام عندما أقنعوا ياسر عرفات بإرسال وفد مفاوض إلى منزل صغير في برد أوسلو. انقسم العرب، كالعادة، حول الأمر. المناضلون يتّهمونه بالخيانة، واليائسون يقبلون معه "بأي قطعة أرض نعود إليها". أما النروجيون فاعتبروا أنهم حقّقوا الخطوة الأساسية التي كَلّفوا أنفسهم القيام بها: تحضير مبدأ التفاوض، وتهيئة الموقع.
الأوروبيون الآخرون، تعاطوا جميعاً حروب المنطقة أو احتلالها. من "اكتشافات" البرتغال إلى الحروب الصليبية، إلى صراعات نابوليون ونلسون على أرض مصر. نحن، في لبنان، رأينا الاسكندينافيين للمرة الأولى العام 1958 في سيارات الجيب واللباس العسكري البسيط، يُحيّون الجميع، ويَقبلون شاكرين هدايا البطيخ والخيار والقثاء. المِقتي، إذا شئت.
المفارقة أن أجداد الاسكندينافيين، الفايكنغ، كانوا أشرس المُعتدين. لقد سخّروا البحر لحروبهم، فيما سخَّر الفينيقيون البحر لدروبهم التجارية، التنك والأرجوان. وقد تذكّرناهم في تونس، أرض قرطاج، الشهر الماضي، عندما اقترع هؤلاء الطليعيون بأكثريتهم للمجتمع المدني. الدولة التي خرج منها الربيع العربي بالثورة حافظت عليه بالبرلمان. في هذه الدولة الصغيرة فعل الحبيب بورقيبة ما فعله نهرو في الهند. الثاني تعلّم في سجون المستعمِر البريطاني سرّ التقدّم، والحبيب تعلّم في سجون الفرنسيين سرّ التعليم. انتخب التونسيون حزب النداء المدني ليس لأنهم أحفاد اليسار وقرطاج، بل لأنهم أبناء "المجاهد الأكبر" الذي عاش فقيراً غير فاسد، غير فاسق، وهكذا مات.
عندما كان زين العابدين بن علي في الرئاسة، كنت ممن اعتبروا في ذلك حرجاً لتونس. وسامِحوني أن أروي لجنابكم أنه وجّه إليَّ الدعوة مرّتين، وكلتاهما بخطّ يده على بطاقته الشخصية المذهّبة، واعتذرت مرتين. كثيرون كانوا يعتبرون أن بن علي تحايَل على المجاهد الذي أوقعت به الشيخوخة. وكثيرون اعتبروا أن المجتمع التونسي المثقّف لا يحكمه شرطي. لكن اللحظة الذهبية لبن علي حانت عندما قرّر أن يغادر تونس وهي في ثورة، بدل البقاء فيها وهي في حرب. ولم ينسَ قبل سفره أن يزور بائع الثمار المحترق محمد البوعزيزي، الذي فجَّر، من دون أن يدري، خريف الخرائط الدائم الذي عُرف في البداية باسم مُزوَّر هو الربيع العربي.
تطلّع بو رقيبة في تونس المستقلّة فرآها غارقة في التوأمين، الجهل والفقر. أمَرَ شعبه بأمرين: التعليم والعمل. كان ثاني حاكم في الشرق يجعل التعليم مرسوماً. الأول، كان محمد علي، الألباني، الذي أرسل مواطنيه في مصر إلى فرنسا، يتعلّمون الزراعة والصناعة. الفرنسي الذي طُرد كمستعمر، عاد كمهندس يحفر القناة وينشر زراعة القطن ويوسِّع الطباعة وينبش أهم آثار مصر الدفينة تحت الرمال الحارقة. هؤلاء هم العِظام الذين ميّزوا بين الاستعمار والعِلم. بين الحرية مع الجهل والخراب، والتحرّر بالنور والنهضة والعمران.
ماذا كان لبنان قبل أن ندخل عصر الجنود المخطوفين والأمهات اللاطمات؟ كان منارة في هذا "الشرق الأوسط" الذي وضع تعريفه الأميرال ماهان. شرق تتقاتل فيه الأديان عبر القرون، وتلتقي في لبنان، طوائف ومذاهب هاربة من أقاصيه إلى أدانيه. كان دينه الأهم التقاء الديانات، ونفطه الأهم التسابق إلى العلم والحرية: ملاذ ومنارة. لم يمر التعليم هنا بالمرسوم كما في تونس، بل بالشغف. إيليا حاوي، شاعر كايمبريدج، كان عامل عَمار، والدكتور الشاعر ميشال سليمان كان سائق تاكسي على خط زحلة، أشهر زبائنه الدائمين، مواطنه سعيد عقل. أصبح الدكتور ميشال سليمان رئيساً للجامعة اللبنانية، كان في ذلك اعتزاز لسقراطها ولوحتها الذهبية، فؤاد افرام البستاني.
عندما نزل ذاك الموسوعي الاسطوري إلى السياسة، صار في البدائيات. يجب أن يحظَّر على عباقرة المعرفة الدخول في الانحصار الفكري، كمن يغلق باب منارته ويمضي. كنا في زمن وصرنا في آخر، مثلنا مثل جمال الوجوه في رائعة المتنبي، ما هو الاّ حال تحول.
يطل الشرق الاوسط الجديد في صور وأشكال كثيرة: أقصى أشكال الحضارة الإنسانية وجوهرها في السويد. او عكسها في عين العرب. أو انهيار الجيوش الكبرى كما في العراق. أو صمود الجيوش وبطولاتها، كما في لبنان، حيث يترصده الشر. أليس من المضحك أو من المزري أن ترى كيف يتحسر العرب اليوم على ما كنّا عليه في خرائط مارك سايكس وجورج بيكو؟ والاول كان عراب فكرة الوطن القومي اليهودي الذي قتل برنادوت 1948 والذي تنتقم له استوكهولم اليوم بأول اعتراف اوروبي بدولة فلسطين.
كيف البحث عن فلسطين في هذا الركام العربي اليوم؟ غزة التي كانت مدخل ابو عمار إلى العودة، تمنع رجاله اليوم من الدخول. ومصر، التي كان "القطاع" في رعايتها ذات زمن، تخاف على سيناء من انفاقه. وسوريا، "قلب العروبة النابض"، كما اطلق عليها عبد الناصر، موضع نزاع بين تركيا وايران، طرفي "الشرق الاوسط" في شرح الاميرال ماهان. والعراق الذي كان خصبا بين النهرين أصبح خصباً بين نارين. وفي كل بلاد الربيع العربي تلوح تونس وحيدة، ترتعد من زحف الليبيين، لاجئين او خلايا نائمة وشرا مستطيرا.
تمتلىء أسوج باللاجئين العرب. بعضهم شكرها على كونها أهم منتجعات الإنسان والقانون، وبعضهم يذبح بناته على أبواب البيوت، لأنها تقبلت شابا من غير دينها أو طائفتها أو، خصوصاً، أسوجيٌ من بلاد الملجأ. عودوا إلى دياركم يا وقحاء استوكهولم.

← العودة إلى مختارات