إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

المياه - الوعد المتبخّر - مروان اسكندر (النهار)

 منذ الثلاثينات بيَّن المرحوم ابرهيم عبد العال امكانات تطوير واستثمار الثروة المائية في لبنان وقدم دراسة أولى عن استثمار مياه الليطاني عام 1943. مشروع الليطاني المنجز هو جزء مما اقترحه هذا المهندس المائي المتميز، وهنالك جمعية باسمه تتابع توصياته لعل وعسى، وابنته لها دور أساسي فيها.
اوائل التسعينات كلّف الاخوان ديفيد ورامي قرم، ابنا شارل قرم الكاتب والشاعر صاحب كتاب "الجبل الملهم" والذي كان شغوفاً بتاريخ لبنان والجذور الاتنية لاهله، شركة Parsons Main، وهي شركة اميركية متخصصة، دراسة جميع الامور المتعلقة باستثمار المياه، ودراسة الثروة المائية التي تنساب في الانهر والتي تترسب في الاحواض الجوفية، وتأثيرات تساقط الثلوج على اكتناز المياه تحت سطح الارض.
انجزت الدراسة التي استعملت في حينه احدث وسائل التحسس الالكترونية بطائرات خاصة تستكشف باطن الارض، ومعدات للاستكشاف الارضي. وقد اظهرت الدراسة ان الثروة المائية المتوافرة من تساقط الامطار هي بمعدل 10 مليارات متر معكب سنوياً، يمكن ان تكفي حاجات الزراعة، والصناعة، والحاجات المنزلية، ويترصد بعد كل ذلك في حال تنفيذ مشاريع متطورة لحفظ المياه وضبط التبخر نحو ملياري متر مكعب يمكن تصدير بعضها اذا اقتضى الامر. وقد راجع نتائج الدراسة خبير مصري من اساتذة MIT شقيق مستشار الرئيس السادات الدكتور اسامة الباز، واعتبر ان الدراسة توفر للبنان فرصة التطور، وتنويع السياحة والزراعة وحتى الصناعة التي تحتاج الى كميات كبيرة من المياه في عمليات التصنيع.
الدراسة قدمت الى الرئيس رفيق الحريري ومن ثم الى الوزير الياس حبيقة. ولم نشهد أي تطور في مجالات حفظ المياه وتنقيتها الى ان وضعت خطة عام 2012 لاستراتيجية استعمال المياه، وانجاز السدود الخ.
عام 2013 تآزر فريق من رجال الاعمال والمعنيين بالشأن التنموي، لوضع دراسة وبرنامج لتطوير الثروة المائية بحيث يتكامل البرنامج مع مبادرات تطوير في مجالات اخرى ويستعيد لبنان تألقه الاقتصادي والبيئي، ونفس التفاؤل بالمستقبل.
دراسة اعضاء ملتقى التأثير المدني حازت اهتمام الرئيس ميشال سليمان ورعايته، واطلقت في احتفال حضره المئات في فندق "الفينيسيا" يوم 10 كانون الأول 2013.
قدم اعضاء المبادرة دراسة "يلا ع المي – الذهب الازرق – لبنان – الخطة الخمسية". لا شك في ان الدراسة توفر الكثير من المعطيات العلمية وتزخر بالافكار، لكنها لم تحظ بانتباه المسؤولين على المستوى المطلوب، وهي تشتمل على برامج للتحريج تعيد الى لبنان جمال الطبيعة الغنية بالاشجار التي تساهم بدورها في حفظ موارد المياه وتطوير استعمالاتها المفيدة بما في ذلك فوائدها الصحية.
لقد قرأت في جريدة "الاوريان لوجور" تعليقاً مختصراً عن مشروع الذهب الازرق، وكاتب المقال اعتبر ان الحماسة للمشروع ومشاريع المياه عموماً، غائبة تماما عن مشاغل نواب الامة، كما يغيب عنهم الشأن الاجتماعي والتطور المستقبلي.
هذا التعليق استثار حزني لأن الموضوع بالغ الاهمية والثروة المائية التي يفترض انها متوافرة دورياً اضافة الى توافر أحواض جوفية هي بالفعل أثمن وأهم لمستقبل لبنان من ثروة الغاز والنفط التي تأخرنا كثيراً في اقرار القوانين التي تسمح بالبدء بمشاريع البحث والتنقيب عنها ومن ثم تطويرها. فخلال الاشهر المنصرمة تدنى سعر النفط بنسبة 20 – 22 في المئة وسعر الغاز بنسبة 20 في المئة، وهذا الانخفاض لسعر الغاز طاول تسليمات الغاز الروسي لالمانيا، والتي انجز خط لإيصالها من شمال غرب روسيا الى شمال شرق المانيا لتفادي الاعتماد على خطوط عبر أوكرانيا وبولونيا. واتفاق اعادة تزويد اوكرانيا الغاز الروسي خفّض الاسعار بنسبة 25 في المئة. ولا شك في ان انخفاض الاسعار اذا استمر سيؤدي الى انحسار الاهتمام بثروة لبنان المتوقعة من الحقول البحرية.
وهنالك سببان لتوقع انحسار الاهتمام. اولهما انخفاض الاسعار وارتفاع تكاليف التنقيب في البحر، والثاني اكتشاف كميات ضخمة من الغاز في شرق افريقيا وحول الموزامبيق، وقد بدأت كل من "توتال" الفرنسية اعمال البحث والتنقيب وشركة "ايني" الايطالية وشركة "اكسون – موبيل" الاميركية. والاسواق الرئيسية للنفط والغاز ستكون في شرق آسيا، وخصوصا الصين والهند واليابان، ومواقع التصدير من شرق افريقيا أفضل منها من لبنان، وحتى من بلدان الخليج العربي.
في خضم هذه التطورات التي تفرض الانتباه الى نتائجها ومع بداية شهر تشرين شهدنا هطول الامطار بمعدل 200 ملم أي اربعة اضعاف المعدل السنوي، الامر الذي يبشر بتساقط كبير هذه السنة والسنة المقبلة. ومع ذلك، سمعنا النائب محمد قباني، رئيس لجنة الاشغال والطاقة والمياه، وهو من النواب القلائل الذين يتابعون الشأن العام باهتمام يشكر عليه، يحاضر في موضوع المياه ويقول: لقد تقصّينا معرفة مصادر المياه غير المعروفة، وكان يقصد بها ينابيع المياه العذبة في البحر حيث شارك هو مع مجموعة من النواب في جولات بحرية بسفينة مختصة باستكشافات كهذه، واستطاعوا الاشارة الى عدد من الينابيع في قلب البحر، والصيادون يعرفون هذه الينابيع منذ زمن وكان في الامكان سؤالهم عن ذلك.
اننا نعيش حالاً من القلق تتآكل آمالنا المستقبلية نتيجة مظاهر التعصب المفرط والذي يستهين بأرواح الآخرين، وفي الوقت ذاته نشهد عجزاً تاماً عن اتمام مشاريع أقرت، وعجزاً عن تفحص ضرورات الانجاز المستقبلي.
الثروة المائية اذا اخذ بتوصيات دراسة مشروع الذهب الازرق، ودراسات ابرهيم عبد العال، ودراسة شركة Parsons Main يمكن ان تكون قاعدة الخلاص للبنان واللبنانيين، وتكاليف انجاز مشاريع عاجلة، كترميم شبكة توزيع المياه، ومنع هدر 30 – 40 في المئة بسبب تصدع الشبكة وتآكل الانابيب، ومنع تلوث المياه بالمياه التي تتسرب من المصانع والصرف الصحي، وصيانة سد القرعون وسد شبروح، هي امور ممكنة وملحّة وضرورية ولا حاجة الى البحث عن موارد. فصيانة السدود يمكن الحصول على معونات دولية لها، اما ترفيع الشبكات فأمواله متوافرة لدى البلديات كما لدى مصلحة مياه بيروت.
مصلحة مياه بيروت لديها أكثر من 200 مليون دولار، ومجلس ادارة هذه المصلحة يجتمع دورياً كل شهر، ويتناول اعضاء المجلس غذاء شهياً، وهم لم يتخذوا قراراً بتحسين شبكة ايصال المياه من ضبية الى بيروت منذ سنوات، واقرار شراء مضخة لزيادة كميات المياه الى بيروت استغرق سنتين، فكيف لأهل بيروت ان ينعموا بتوافر المياه في منازلهم؟ لقد شهدنا هذا الصيف تكاثر شحنات وشاحنات نقل المياه، ولا يعلم أي منا الشروط الصحية المتوافرة في هذه الشحنات والشاحنات التي ساهمت في زيادة ضغط اختناق السير في الكثير من شوارع بيروت الضيقة وغيرها من المناطق.
ايام الرومان اي قبل 2100 سنة واكثر، كان سكان بيروت يتمتعون بشبكة لتوزيع المياه العذبة تكفي حاجاتهم للشرب وتوفير المياه للمزروعات، وتأمينها للحمامات العامة. والشبكة شقّها الرومان في الصخور، واعتنوا بها كلما تكاثرت الحشائش في جوانبها. اليوم وبعد 2100 سنة واكثر شبكة المياه لبيروت متآكلة ومنفتحة على التلوث وغير كافية... ومجلس ادارة المصلحة يكتفي بغذاء دسم شهري من دون أي تحرك.
أي أمل لبنان في ظروف كهذه، ومع مسؤولين متقاعسين سواء في مجلس النواب أو في مجالس ادارات المؤسسات العامة؟

← العودة إلى مختارات