عن المعنى الباقي من "يوم البيئة" - حبيب معلوف (السفير)
لم يكن "اليوم الوطني للبيئة" في لبنان في السادس عشر من شهر تشرين الثاني من كل عام، يوما بيئيا في الاصل. كان يطلق على هذا اليوم اسم "اليوم الوطني للنظافة" وقد أطلقته جمعية الهيئة اللبنانية للبيئة والانماء التي كانت تعمل تحت اسم "المنبر الأخضر" منذ بداية التسعينيات للتذكير بضرورة معالجة قضية النفايات، لا سيما بعد ان اكتشفت آنذاك ان كلفة معالجة مكب النورمندي بعد نهاية الحرب الاهلية (اكثر من 50 مليون دولار بحسب العقد الاول) وان المكبات العشوائية تنتشر في كل مكان لتلوث الهواء والتربة والمياه، وان تشغيل محرقة العمروسية كان كارثيا وان مكب برج حمود (البديل عن مكب النورمندي) بات جبلا وان لا استراتيجيات وخطط وطنية متكاملة لمعالجة هذا الموضوع، تقوم على مبادئ بيئية مثل التخفيف والفرز وإعادة التصنيع. وكانت الجمعية في مثل هذا اليوم تقوم بتجمعات متفرقة في منطقة الحمرا في بيروت للتذكير بهذه القضية وقد حاولت ان تختار شارع جندارك لتقديم نموذج بإمكانية فرز النفايات من المصدر (المنزل)، لم يكتب لها النجاح لغياب الخطط المتكاملة التي تنظم الفرز وتدعم صناعات اعادة التصنيع. وبعد ان تبين لهذه الجمعية ان هناك مشاكل كثيرة وكبيرة غير مشكلة النفايات، وان هناك حاجة الى رؤية اكثر تكاملا وشمولا لهذه القضايا، طلبت الجمعية العام 1998 من وزير البيئة أكرم شهيب آنذاك تحويل يوم النظافة الى "اليوم الوطني للبيئة". وقد رفع شهيب الى مجلس الوزراء اقتراح الجمعية فوافق على اعتماده في جلسته المنعقدة في 14/10/1998. يومها وضعت الهيئة برنامجا سنويا لهذا اليوم يتمحور حول قيام الجمعيات (مع جمعيات أخرى مهتمة) في مثل هذا اليوم من كل عام بجردة حساب بيئية تكشف فيها عن الارتكابات بحق البيئة بالإضافة الى لائحة تراجع فيها مدى التقدم في الملفات الأساسية التي تتابعها وزارة البيئة والوزارات الاخرى التي تتقاطع مع قضايا البيئة. الا ان هذا لم يحصل لاحقا. فقد كانت معظم الملفات التي تتابعها الجمعية آنذاك تتقاطع مع وزارة الداخلية، لا سيما في قضايا تنظيم عمل المقالع والكسارات والمرامل ومعالجة النفايات وضبط تلوث الهواء من قطاع النقل وتطبيق قرار منع الصيد البري... وقد حصلت مواجهات كثيرة آنذاك مع وزير الداخلية ميشال المر ما اضطر الجمعية لاستخدام اسم غير اسمها في اصدار البيانات النقدية لوزارة الداخلية او لوزارة البيئة. كما حصلت محاولات كثيرة من هذه الاخيرة لاستيعاب الكثير من الجمعيات، ما اضعف قوتها النقدية، بالإضافة الى التهاء البعض الآخر من الجمعيات بتنفيذ مشاريع محددة في قضايا محددة وابتعادها عن ما كان يسمى "السياسات البيئية"، اي البحث في تغيير الاتجاهات السائدة في طرق التنمية المدمرة وتطعيمها برؤية بيئية، هي في جوهرها محافظة وتمنع اي تقدم مزعوم في الكثير من المشاريع الاستثمارية في البلاد آنذاك. كان الهدف او الخلفية من اعتماد اليوم الوطني للبيئة في تلك الفترة اذاً، هو التقدم أكثر باتجاه "تسييس" الموضوع البيئي، بمعنى جعله اكثر شمولا، وجعل معالجته أكثر عمقا، تتطلب تغيير السياسات المعتمدة في القطاعات كافة. بمعنى تغيير سياسات الطاقة والنقل لمعالجة تلوث الهواء وتغيير سياسات التصنيع والاستيراد والتجارة للتخفيف من انتاج النفايات وتغيير سياسات الاعمار والبناء والسكن لتحديد الحاجات الى البحص والرمل والترابة وتغيير السياسات الزراعية لترشيد استخدام المياه... بدلا من الاكتفاء باستعراضات فولكلورية في يوم البيئة، تؤخر بدلا من ان تقدم في معالجة القضايا البيئية. الا ان هذا التوجه في تغيير سياسة الجمعيات البيئة لم ينجح في التحول الى عمل سياسي منظم في أحزاب بيئية، نعود اليها في فرصة اخرى.
هذا العام تذكر وزير البيئة اكثر من الجمعيات هذا اليوم. وقد حوله الى يوم الأمنيات الـ22. وقد تذكرنا بالمناسبة قول الشاعر : "اهكذا ابدا تمضي أمانينا...؟".