الخليج: أفكار وأدوار - ساطع نور الدين (المدن)
منذ زمن بعيد، لم تعد دول الخليج العربي تصدر النفط والنقد فقط، ولم يعد الإسلام السياسي على لائحة صادراتها، إثر هجمات 11 ايلول العام 2001، التي شكلت منعطفا حادا في الوعي الخليجي، دفعه نحو حالة من الخصومة مع كل ما هو اسلامي.. في هذا السياق، انفجر نقاش خليجي داخلي لم يهدأ حتى اليوم، حول الهوية والموقع والدور، يعيد الى الأذهان ما كان في مصر ودول المشرق العربي في القرن الماضي، من عمليات انتاج إيديولوجيات وأفكار ومشروعات سياسية، سرعان ما وقعت في فخ الطغيان قبل ان تسقط ضحية الصراع مع العدو الاسرائيلي.. وينتهي بها الحال الى الانحطاط الراهن والخراب العام. لعله لا يصح وصف هذا النقاش الخليجي بانه داخلي، طالما انه غيّب الى حد بعيد مسألة تغيير وتحديث الانظمة الخليجية، وراح يدور حول أشد المسائل تعقيدا وخطورة في العالم العربي الان، مثل الاسلام وتشريعاته وتنظيماته، والقومية وتعريفاتها وعناوينها المتصلة بالصراع مع ايران واختراقاتها وتركيا وطموحاتها، والغرب وتحالفاته وقواعده العسكرية، وحتى القضية الفلسطينية ومكانتها المهتزة في الوجدان الخليجي خاصة والعربي عموما.. بحيث صارت قراءة عدد من الكتاب والباحثين الخليجيين الجريئين والمتميزين من الضرورات اليومية، مثلما كانت قراءة الكتابات المصرية والسورية في أواسط القرن الماضي. كان الربيع العربي قبل اربع سنوات إختبارا حاسما لهذا النقاش سقط فيه خليجيون كثيرون، وساهم في تفجير صراع داخلي بين قطر التي غامرت منذ اللحظة الاولى في دعم الثورات العربية من دون تحفظ وبين السعودية التي فضلت ولا تزال المحافظة على الانظمة الامنية القديمة بذريعة حفظ الامن والاستقرار والحؤول دون توسع الحالة الاسلامية، على اختلاف تلاوينها، لاسيما وان تلك الحالة كانت ولا تزال تمثل تهديداً للانظمة الخليجية كافة يفوق التهديد الذي تشكله ايران على سبيل المثال. السؤال الجوهري الوحيد الذي تثيره المصالحة السعودية القطرية الاخيرة، هو ما اذا كان الخليج سيتحدث من الان فصاعداً بلغة واحدة مع دول الربيع العربي المضطرب. ليس هناك دليل حتى الان، برغم ان سوريا مثلا تطرح اشكاليات العلاقة الخليجية الصدامية مع ايران اكثر مما تطرح معضلة ذلك " الربيع".. وبرغم ان مصر وتونس وليبيا واليمن باتت تشكل عبئا سياسيا وامنيا على مختلف دول الخليج التي لا تستطيع توفير مخارج ملائمة من الفوضى السائدة في البلدان الاربعة. مثلما كان الربيع العربي سبب الخلاف السعودي القطري، يمكن الزعم ان المصالحة بين البلدين تطوي ضمناً تلك الصفحة المشرقة من التاريخ العربي الحديث، وتعلن ان المحاولة التي انطلقت في نهاية العام 2010 من اجل تغيير وتطوير البنى السياسية العربية باءت بالفشل، بعدما تبين ان الانظمة القديمة اقوى مما كان يعتقد، وان القوى البديلة اسوأ مما كان يفترض.. لاسيما وانها قدمت مؤخرا نموذجها الاخطر وهو تنظيم داعش، الذي أثار اعلانه دولة الخلافة سخرية سكان الهلال الخصيب، لكنه حرك لدى الخليجيين، حكاماً ومواطنين، كوابيس مخيفة لم يسبق لها مثيل. كانت قمة الدوحة الأخيرة احدى محطات ذلك النقاش الخليجي المتواصل، الذي بات يوصف بانه المحرك الرئيسي للجدل العربي العام حول مستقبل مصر وتونس واليمن، وحول مصير الجغرافيا السياسية للكثير من البلدان العربية التي وضعت خرائطها على طاولة البحث، بحيث صارت العلاقات الخليجية مع اميركا او مع روسيا او تالياً مع ايران او تركيا، تحدد وحدها احياناً الشكل النهائي الذي سيتخذه الكيان السوري او العراقي مثلا، او حتى اللبناني لاحقاً. من الخليج العربي بالتحديد، لا من مصر او العراق او سوريا او حتى تونس، باتت تصدر الاشارات العربية التي ترسم مسار منطقة خذلها ربيعها الخاطف. المهمة طارئة، لكنها ليست ثابتة. - See more at: http://www.almodon.com/opinion/0c81bab2-13c9-4a8e-945a-3d36445dac5f#sthash.2c0oqfsd.dpuf