إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

قمة ليما: مبادرات بدلاً من «التزامات»! - حبيب معلوف (السفير)

 لا تزال العقد المسيطرة على مفاوضات المناخ هي نفسها منذ اقرار اول اتفاقية اطارية لمحاربة تغير المناخ العام 1992. لم يتغير جوهر الخلاف العالمي في ليما، القمة الـ20 التي انهت اعمالها اول من أمس، حول كيفية مواجهة هذه الظاهرة، كما كنا نتوقع. الانقسامات بين البلدان الغنية وتلك النامية هي نفسها، مع بعض التعديلات والتفاصيل، اذ تحولت بعض الدول من نامية الى «ناشئة». ولا يزال السؤال من يتحمل «المسؤولية التاريخية» لتغير المناخ العالمي من دون جواب واضح يترجم بتعويضات وتغييرات جوهرية في بنية الاقتصاد والسياسات... بالرغم من استخدام تعابير مثل «المسؤوليات المشتركة والمتباينة» لتقاسم المسؤوليات بحسب الاحجام. كل ذلك، كل تلك السنوات، لم ولن تنفع في ظل سيطرة مطلقة لنموذج التنمية للدول المسماة «متقدمة»، على العالم اجمع، هذا النموذج، المتسبب بشكل او بآخر بظاهرة تغير المناخ. فكيف يمكن الخروج باتفاقية ملزمة ترتكز بشكل رئيسي على خفض الانبعاثات المتسببة بالظاهرة، مع اجراءات متفق عليها للقياس والتحقق... في ظل هذه الشراهة العالمية على التسابق على الإنتاج والاستهلاك من دون حدود؟
واذ فشلت القمة الـ20 كالمعتاد، بالوصول الى اقرار مسودة اتفاق (يتم ابرامها في باريس العام القادم)، تحدد التزامات معينة من الدول حول تخفيض الانبعاثات، حاولت ان تغطي عن هذا الفشل المتمادي منذ العام 1992 بما يسمى مبادرات رمزية صغيرة من هنا وهناك. فبدلا من التزامات دول، بتنا امام مبادرات مدن وبلديات ومؤسسات... منها ما يريد ان يقوم بمبادرات جديدة لكفاءة الطاقة ومنها ما يريد ان يتعاون مع ممثلين عن المجتمعات المحلية لحماية بعض الغابات، او انشاء تحالفات عجائبية تضم ممثلي حكومات وشركات ومنظمات غير حكومية ومنظمات اقليمية ومستثمرين حول مشاريع صغيرة لا تغير في الاتجاهات الكارثية لتغير المناخ شيئا، ما يوحي ان لا استعداد حقيقيا عند الدول، لا سيما تلك الكبرى والمؤثرة في الوصول الى اتفاقية ملزمة بعد عام في باريس، وان على العالم ان ينتظر المزيد من الكوارث المناخية حتى يأتي الفرج.
هذه النتائج كانت متوقعة من خلال مناقشات «ملخص صانعي السياسات» الخاص بالتقرير التجميعي الذي تم نقاشه سطرا سطرا استنادا الى التقرير العلمي الخامس الذي يفترض ان يستند اليه رؤساء الدول واصحاب القرار للمساعدة في وضع اتفاقية جديدة لتغير المناخ العام 2015 والذي بدأت المناقشات حوله قبل ليما. فقد عارض مندوب السعودية اثناء المناقشات استخدام تعبير «التدابير» عند الإشارة إلى الموضوع الخاص بالتكيّف والتخفيف، واقترح استخدام مصطلح «الخيارات» بدلاً منه، لكي يتم تجنب صفة الإلزام عن أي إجراء.
واذا كان مفهوما ان يحصل نقاش حول تحديد مصادر الغازات المسببة لتغير المناخ، بعد اقرار الدول الاطراف كافة بالمسؤولية البشرية، لا سيما مع اعتراض مندوب السعودية على الإشارة فقط إلى الانبعاثات من استخدام الأراضي وحرق الوقود الأحفوري وإنتاج الأسمنت، مقترحا ذكر كل مصادر الانبعاثات، واقتراح مندوب الولايات المتحدة الأميركية الإشارة إلى الانبعاثات كغازات دفيئة وليس طبقاً للقطاع، واقتراح مندوب الصين اجراء المزيد من المشاورات حول هذا الموضوع، كدليل على تهرب الدول المؤثرة من تحديد المشكلات والمسؤوليات والإجراءات المطلوبة لاحقا ... كان من المستغرب والمضحك النقاش الذي حصل حول الجملة التي تُفيد بأنه «خلال العقدين الماضيين فقدت غرينلاند الغطاء الثلجي واستمرت الأنهار الجليدية في التناقص في كل أنحاء العالم بالإضافة الى استمرار تناقص ثلج البحر القطبي الشمالي والغطاء الثلجي الربيعي لنصف الكرة الشمالي..»، حصل جدل حول استخدام تعبير فقدان الثلج «بمعدل متزايد» ام استخدام تعبير «بمعدل متسارع»!
ويمكن انطلاقا من هذه النقاشات وهذه الجولات الفاشلة من المفاوضات التي تدور بين ممثلي الدول والخبراء منذ العام 1992 تخيل الجدل القادم حول التقارير القادمة التي قد تحذر من انقراض النوع الانساني وحول الفارق في ان يحصل هذا الانقراض بشكل متسارع ام متزايد!

← العودة إلى مختارات