عن مصير لبنان البلد المحتل - منى فياض - النهار
من الآخر كما يقولون: في هذه الاوقات الحرجة التي نرقص فيها على "حافة الهاوية" لا خلاص للبنان، ولا مستقبل، إلا في حب هذا الوطن والولاء التام له تحديداً: لبنان الدولة. لا يمكن أي مرجعية ولا أي دولة ولا أي سلطة أن تسبق أولوية هذا الولاء المطلق، أو حتى أن تشترك فيه. إن أي ولاء آخر يتشارك مع الولاء للوطن هو من أفعال "الخيانة العظمى".
25 عاماً مرّت على توقيع اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية رسميا. مع ذلك، لم نعرف السلم، ولا نزال نعاني أنواعاً أخرى من النزاعات والصراعات والحروب الباردة والساخنة، الأهلية منها وتلك التي تتخطى الحدود. فما هي مشكلتنا إذاً؟
اعتاد المرجع القانوني والنائب السابق حسن الرفاعي أن يردّ على مَن يقول له أنت لا تريد وقف الحرب في لبنان، لمعارضته وثيقة اتفاق الطائف، بالسؤال: وهل صيغة الدستور اللبناني هي سبب الحرب في لبنان؟
بمعزل عن الجدال الذي قد يطول حول وثيقة الطائف وطريقة اتمامها وتوقيعها، أو حول التعديلات التي يجب أن تطالها أو تطال القوانين والدستور، يمكن الاشارة بسرعة إلى أن اتفاق الطائف يحوي جملاً وإشارات وعدداً من الأحكام الغريبة والأمور الملتبسة التي تحمل بذور التعطيل في داخلها، بحيث أدّت ممارستها الى شرعنة التغيب والمقاطعة والتعطيل لمجلس الوزراء. فالسعي الضمني كان يهدف الى تكبيل عمل السلطات وشلّها من الداخل عبر آليات تجعل سلطة الوصاية الجهة الوحيدة القادرة على الحسم. ذلك ما أدّى الى تسميم عمل المؤسسات وعدم انتظامها، بل وتعطيلها.
سأكتفي بمثال واحد لإظهار بعض تناقضات اتفاق الطائف؛ ففي المادة 69 يتم اللجوء، بحسب قراءة الرفاعي، الى تدبير عجيب بحيث تُربَط إقالة وزير بموافقة زملائه بنسبة الثلثين، في حين أن استقالة ثلث الوزراء زائداً واحداً تطيح كامل الحكومة. لكن ثلثي الوزراء ناقصاً واحداً، لا يكفي لإقالة وزير واحد!
هذا التدبير الذي أدّى الى ما سُمّي بالثلث المعطّل، والبعض سمّاه الضامن، لم يكن مطلبا لأيّ فئة، لا من المسلمين ولا من غيرهم، في أيّ يوم من الأيام. بل أُدخل بقدرة قادر على ما يبدو. وهذا ما يسمح بالاستدلال أن ما حصل في الطائف ليس توافقاً على الاصلاحات التي تمت، بقدر ما هو توافق دولي لإرغام المجتمعين على القبول بالوثيقة على عللها لتغطية جعل لبنان تحت الوصاية السورية بقبول وتواطؤ دوليين. على كل حال، عجز اللبنانيون عن تنفيذ الاتفاق كاملاً بسبب العرقلة السورية. وظل السلاح فالتاً خارج سلطة الدولة؛ فلم تُفد الاصلاحات في تأمين السيادة. ففي زمن الخضوع للهيمنة السورية كان القصد المحافظة على هشاشة التوازن الداخلي وغياب هذا التوازن في الكثير من الأحيان من أجل اللجوء إلى سوريا لحسم الخلافات في التفسير والتطبيق وخلافهما.
وبما أن المشكلة في الأصل لم تكن دستورية أو قانونية بل سياسية، وصراعاً على السلطة، فلن يمكن الخروج من هذا المأزق الا عندما ينال لبنان حريته واستقلاله بحيث يستعيد سيادته الحقيقية على جميع أراضيه من دون هيمنة فئة وطغيانها، حيث تقيم دويلة داخل الدولة وحيث يأتمر "جيشها" بأوامر دولة أجنبية، وتخضع في جميع أمورها الى إملاءات الخارج الالزامية التي يتم التعامل معها كفتاوى شرعية.
في السنوات التي تلت اغتيال الرئيس الشهيد الحريري وخصوصاً منذ ما بعد اندلاع الثورة في سوريا، لاحظنا انتقال الهيمنة والوصاية من النظام السوري الى النظام الايراني، وهما تتمّان بواسطة مكوّن محلي بدأ بتحويل سلاحه من مواجهة اسرائيل، العدو الاساسي المفترض، الى الداخل، فاحتل وسط بيروت لمدة عام ونصف العام، لإسقاط الحكومة، ونفّذ في أيار من العام 2008 ما عُرف بغزوة بيروت حيث تم الاعتداء على سكانها مما تسبب باستشهاد نحو 100 ضحية، مستكملاً ذلك بالاعتداء على "تلفزيون المستقبل" وصحافييه.
بعد هذه التمارين، كان يكفي لإسقاط حكومة الحريري في مطلع العام 2011 أن يسري خبر انتشار رجال بقمصان سود في عتمة الفجر على مفترقات الطرق في قلب بيروت لوقت لا يتعدّى 40 دقيقة، لكي ينتشر الرعب في المدينة، وخصوصاً أن الصحافيين فشلوا في التقاط أيّ صورة لأشباح بقمصان سود. سقطت قلوب اللبنانيين ومعها حكومتهم خوفاً ورعباً متخيلاً يفوق في قوته رعب الصورة الواقعية. فالخيال دائماً أقوى من الواقع وأعنف. وتربّع الرئيس ميقاتي على حكومة أتى بها أصحاب القمصان السود. بعد عامين تقريباً، كانت تكفي قراءة خبر انتشارهم أسفل الشاشة في شريط الأخبار كي يشعر زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي بالخوف ويغيّر وليد جنبلاط انتماءه من فريق 14 آذار الى فريق 8 آذار جاعلاً من هذا الفريق أكثرية نيابية! وتسقط بتداعيات ذلك، حكومة القمصان السود نفسها، التي فشلت في تحقيق أيٍّ من ادعاءات أصحابها ومزايداتهم.