إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

يتسع بالحوار ويضيق بالمحور - داوود الصايغ (النهار)

 لم يكن مقدراً للبنان أن يستضيف عواصف الشرق. بل كان مقدراً للعواصف أن تهدأ عندما تصل إليه. لم يكن من مبررات وجوده أن يزنّر بالنار جنوباً وشمالاً، ولا أن يربط بجبهات تتجاوز حدوده. كانت فكرته، كانت قضيته، كانت صيغته من صنع أيدٍ لامست اسرار الوجدان وليس حسابات المصالح، لتشكل ملتقى لتطلعات جميع الذين وفدوا الى لبنان على مرّ الزمان، كأنهم اهتدوا، بعد ضياع، الى المطارح المضيافة، في الينابيع الأصيلة الدافقة بالأمان والحرية.

كان شارل ديغول أول من قال إن اللبنانيين شعب مسالم ومضياف. وكان ميشال شيحا أول من قال إن الصيغة اللبنانية تحتاج الى أن تصان من العنف، وهو الذي كان أيضاً أول من نبه الى أخطار إسرائيل على تخومنا الجنوبية ووصفها بالخميرة الفاسدة.
وكان أحمد شوقي أول من اهتدى الى العذوبة اللبنانية، في "جارة الوادي" وأرشد الباحثين عنها الى مكانها الصحيح، وذلك عام 1927، بعد سبع سنوات من قيام لبنان الكبير. في البدء، حصل كل ذلك في البدء وكل شيء قيل، ولبنان ليس سوى بدايات متجددة لمن يجهل حقيقته.
فجميع الذين أدركوا معنى الفكرة اللبنانية ومضمون الصيغة القائمة عليها قالوا بوجوب صونها من العنف. على هذا الأساس أرسى آباء الإستقلال الحجر الأساس في صيغة مرنة تعكس حقيقة العبقرية اللبنانية، في حسن الوفاء للأصول، في ثوابت الوحدة والإنتماء من جهة، ولكن في السعي الدائم لإبعاد لبنان عن الأزمات من ناحية ثانية. سر الحكم في لبنان، سر المخلصين له أن يستنبطوا باستمرار وسائل درء المشاكل، ألا يستقدموا الأخطار أكانت على شكل أفكار أم على شكل سلاح. فلقد ثبت أن بيتنا لا يمكن تحصينه بالمتاريس، ولا بقرارات الأمم المتحدة، ولا بقواتها، ولا حتى بقواتنا إلا إذا كنا متفقين على ذلك. سياجنا من نوع آخر، لأن وطننا من نوع آخر. وطننا وفاق، وطننا رضى في العيش الواحد. إذ ذاك لا يخترق الحدود أحد.
فرنسا، فرنسا الصديقة، اضطربت في الشهر الماضي كما لم تضطرب من قبل في تاريخها الحديث. خافت على وحدتها بقدر ما قلقت على أمنها. ولكن، بين مئات اللافتات التي اجتاحت الشوارع في التظاهرة المليونية يوم 11 كانون الثاني، كانت واحدة تقول "لنجرؤ على العيش معاً". فيا للعجب، فرنسا لم تعرف بعد العيش المشترك واصوله الواجبة في احترام الآخر واحترام خصوصيته، وهي التي نشرت مبادئ ثورتها في العالم كله. فهل الحرية المباحة الى آخر الحدود هي قيمة بالفعل أم أنها إهانة للحرية نفسها، وهل هي القيمة الوحيدة في سلم القيم على حساب العدل والإتزان والإعتدال؟ لقد تجاوز عدد المسلمين في فرنسا الستة ملايين نسمة، ولا يزال منظروها يرفعون شعار العلمنة أولاً وفصل الدين عن الدولة، ويطالبون مسلمي فرنسا بإعادة تنظيم أنفسهم والإنضباط تحت راية هذا الشعار. إنهم يريدون أن يصوروا البابا حاملاً الواقي الذكري، والثالوث الأقدس في وضع مشين، والنبي في صور هازئة، من غير أن يعترض أحد باسم الحرية في التجديف، مقابل حرية المعتقد، وفق ما صدر عن القضاء الفرنسي عام 2007. وفرنسا من بين دول أوروبا والغرب، هي وحدها في هذا المجال، إذ للدين حضور في المانيا وفي إيطاليا وفي اسبانيا، وملكة إنكلترا هي رئيسة الكنيسة الانغليكانية.
فهل جاء دور لبنان لإعطاء الدروس، على رغم تشوه الصورة التي نريد تعميمها؟ وهل يمكن "الرسالة" أن تغطي مستودعات السلاح، وتعيد نشر ذلك الشعاع الذي تولد مدى أجيال، وحده هنا، وحده في الشرق.
فإذا كانت الوقائع القديمة تتبدل اليوم في ساحات هذا الشرق من غير أن يرتسم معها مستقبل سوريا والعراق، فهل يمكن حقائق لبنان أن تتبدل؟ إزاء هذا الصعود الإيراني واقتراب موعد المفاوضات الحاسمة بين أميركا وإيران – وهو ما كان أحد عوامل تهدئة المواجهة بين "حزب الله" وإسرائيل – فهل يشي هذا التحول بانعكاسات على لبنان.
وإذا كانت العروبة في أزمة عميقة، جراء خراب كل من سوريا والعراق، وانشغال مصر بقضاياها وابتعادها عن أزمات العرب، فهل هذا يعني أن الفراغ ستملؤه إيران، التي لم يعد مسؤولوها وحلفاؤها يخفون مقولة امتزاج الدم اللبناني بالدم الإيراني... في القنيطرة السورية، في الجبهات المفتوحة على حدّ وصفهم. هذه الأوراق التي تختلط على أطلال سوريا وامتداد "داعش" على المساحات الواسعة وبدء قضمها للحدود الشمالية من البقاع، هل بينها ورقة لبنانية يجري اللعب بها حالياً؟
ذلك هو السؤال المشروع الذي يقلق أذهان اللبنانيين اليوم. ولكن أذا كان المحور الايراني – السوري الذي تولد في ظل نظام الحكم السوري منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي وامتد الى لبنان في زمن الوصاية ومصالحها، فهل هذا يعني أن الشرق العربي تغير وتبدلت موازينه جذرياً؟



عندما قام الرئيس الأميركي باراك اوباما بزيارة للرياض للتعزية بالملك الراحل عبدالله، على رأس وفد يمثل الولايات المتحدة كلها، كانت تلك إشارة لا يمكن واشنطن أن تقدم أوضح منها في مرحلة تبدل الحكم في المملكة. أميركا مثل غيرها تنتظر أوان انقشاع الغيوم، حتى وإن كان هنالك من يحملها مسؤولية تلبد الغيوم كلها، في الشرق العربي. هذه أميركا. ينسب إليها كل ما يحدث وكل ما لا يحدث. لكنها أثبتت أن صداقتها مع المملكة من صلب مصالحها الحيوية على رغم أنه صار معروفاً أن الرئيس باراك اوباما يريد تتويج ولايتيه باتفاق مع إيران، لعل موعده في آذار المقبل. ولكن هذا الصراع العربي الإيراني الذي تدركه واشنطن جيداً، والذي تدركه باريس في الوقت ذاته بحكم اتصالاتها القائمة مع طهران، إذا كان يشكل تهديداً لتوازنات المنطقة التقليدية، فهل أنه يمثل تهديداً لتوازنات لبنان؟
الإتفاق السعودي – الفرنسي – اللبناني في شأن التسلح ومحاربة الإرهاب، يشكل دعماً عربيا - غربياً كبيراً للبنان. ولكن في موازاة هذا الدعم العسكري والسياسي، أليس للبنان مناعة مختلفة؟ وإذا كان صحيحاً إن هنالك من أقحمه في المحاور، فهل لهذا الإقحام أن يدوم؟
لبنان بطبيعته يصدّ المحاور. فالمجموعات المتنوعة المنضوية في تكوينه البشري هي السد الحقيقي. فليس هنالك من انتصارات في لبنان، لا من الداخل ولا من الخارج. المنظمات الفلسطينية انتهت بالخروج، والجيش السوري انتهى بالخروج. وإيران صديقة أو أنها مرشحة لأن تكون صديقة، إذا كانت لجميع اللبنانيين. إذ ذاك لا بدّ لحساباتها أن تكون مختلفة لأن موازين القوى تتبدل. أما صراعنا مع إسرائيل، إسرائيل التي لم ترد يوماً خيراً للبنان، فهذا شأن وطني داخلي، يفترض اجماعنا وموافقتنا، تماماً كما حصل في زمن المقاومة التي كان لها فضل في تحرير الجنوب. إذ لا يحمّل لبنان، لبنان نموذج الغد للمجتمعات العربية القلقة، لبنان مختبر الإعتدال والإنفتاح والعطاء، لا يحمل في هذا الصراع وفي غيره أكبر من طاقته. لأن سر وجوده، سر دوره وضرورته، أن ما لا يصدر عن إجماعه ووفاقه، ليس فقط مناقضاً لمصلحته وطبيعته ومصلحة جيمع أبنائه، بل انه لا يدوم.
فالأوطان لا تؤخذ بالأحداث المفرقة، بل بالجملة، بالنتيجة. والنتيجة هل تمكن أحد من حسمها؟ كلا. فلبنان ليس مخبأً في حقائب المسافرين. إذ لا يمكن حمله الى الخارج إلا بالمدى الذي ينتشر فيه أبناؤه في العالم، وهذا حصل. ولكن لا يمكن الخارج أن يعبث وأن يختار من يريد من حلفاء وأصدقاء. فهذا أيضاً حصل فهل خرج أحد رابحاً من مراحل التدخل أو التورط في لبنان؟ إنه يترك أضراراً من دون شك. لكن لبنان يعود فيقف ويمشي. هكذا كان دائماً، وهكذا سيكون.

← العودة إلى مختارات