إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

مظلّة مثقوبة - زياد بارود (النهار)

 في صالونات بيروت السياسية، المتربعة في الغالب حول مائدة شهية، يطالعك أصحاب الرأي (المكتفي بذاته أحياناً) بمطوّلات تحليلية، من المحيط إلى الخليج، حتى تخال نفسك في مركز دولي للدراسات الاستراتيجية، مع فارق التبّولة الحاضرة على هامش المؤتمر وصحن الحمّص المتنازع على هويته الفخرية. في تلك الصالونات، يحضر قويا موضوع الساعة: إنتشار الحالة التكفيرية على نطاق واسع في منطقتنا، فيؤكّد هذا، من بين الحاضرين، أن الربيع سيكون حاراً ولن تنفع المكيّفات السياسية خفضاً لحرارته، ويضيف ذاك بأن صديقه المقرّب جدا من سعادة السفير أبلغه أن المنطقة على فوهة بركان، ليستقرّ النقاش على كلمة سحرية يطلقها العارف العالم المارد: يا جماعة، ثمة مظلّة دولية على لبنان، هكذا أخبرني مرجع رفيع، يقول حاسماً، مبتسماً كمن أدّى قسطه للعلى.
وإذا كان فتح المظلّة داخل المنزل فألاً سيئاً في خرافاتنا، إلاّ أن هذه المظلّة بالذات تدعو، في حال وجودها فعلاً، إلى التفاؤل بالخروج من عاصفة المنطقة بأقل خسائر ممكنة، بدل أن نكون في عينها كما كنّا مراراً وبمرارة... في أي حال، لن أناقش قدرة الممسك بالمظلة تشكيكاً، على رغم شعور مشروع بغيابها أحياناً. سأفترض وجودها لأتساءل مع كثيرين عن متانتها في عين العاصفة وعن مداها، ظلالاً. ففي طقس ماطر بالنار والحديد على رؤوس مكشوفة، وفي زمن المنخفضات الجوية المستحيلة رعداً وصواعق مدوّية في أحشاء ضحاياها، يقف بشرٌ لاحقتهم لعنة الجغرافيا، يقفون قبل أن يسقطوا ولا مظلّة... ربما كانت مثقوبة! هكذا قرأت غضب الآشوريين في دموعهم والغصّة... بكرامة، رأيتهم وسمعتهم يبكوننا نحن، لا هم. يبكون منطقة عربية هم أبناؤها الأصليون وبنّاؤوها الألمعيون. هم في صلب نهضتها وفي قلب قلبها. مثقوبة هي تلك المظلّة التي اختارت أن تضرب كالمنيّة "من تصب تمته ومن تخطئ يعمّر فيهرم". مثقوبة بعين الانتقائية التي تحمي حيث المصالح والإفادة فيما تغضّ الطرف عن مجازر وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بل إبادات جماعية! كيلٌ بمكيالين وصيف وشتاء على سطح واحد. أما أشوريّو المنزل وأيزيديّوه ومسيحيوه عموما ومسلموه أيضا، فمهجّرون إن لم يسقطوا شهداء. وأما المظلة، فمثقوبة، وأما حاملها فأطرش السمع وأعمى البصيرة. حتى أن رائحة الموت لا تبلغه، رغم أنف الجميع! قال أحدهم لآخر إنه سعيد لأنه يواكب حركة التاريخ في لحظات حاسمة، فأردف الآخر: بئس التاريخ إذا كان سيخرجني من الجغرافيا! بئسها أمم متحدة إذا كانت تنظر ولا ترى. بئسه مجتمع دولي يكتفي ببطانيات وحصص غذائية رفعا للعتب وإراحة للضمير ليس إلا. بئسها حكومات عاجزة مستسلمة لحركة تاريخ مفترض. وبئسنا شعوب لا تتضامن مع الضعيف يوم يهاجم ولا ترى أن الفاتك به سيفتك بها يوماً. هكذا هو التاريخ... بئسنا نعامات مطمورة الرأس غبية...
آشوريّي العراق العرب، آخر ضحايا البئس والعجز والانتقائية، نريد لكم العودة الكريمة إلى حيث تنتمون، إلى حيث جذوركم ضاربة في الأرض عمقاً، كما جذورنا هنا. وحتى العودة، رجاء، إبقوا بين إخوة لكم في لبنان. فمن هنا العودة أسهل. أما أسوج وأميركا وكندا، فتأشيرة لجواز سفر يقتلعنا جميعا من أرض سقيناها حبّاً وتاريخاً وحضارة و... حلماً.
مثقوبة هي المظلّة الدولية، والطقس ماطر، وأما الجباه، فعالية، كريمة، عزيزة وتغنّي أجمل أغاني المطر...

← العودة إلى مختارات