كيف يصبح تعليمنا العالي أعلى؟ II - غسان سلامه (السفير)
تتفاقم ضائقة الجامعات بالنظر لارتفاع كلفة التعليم نفسه. والأسباب عديدة هنا منها التضخم العام في مرتبات الأكاديميين البارزين في الدول المتقدمة ومنها الطفرة غير المسبوقة في أعداد الموظفين الإداريين بحيث تجاوزت أرقامهم عدد الأكاديميين في كثير من الجامعات، ناهيك عن ارتفاع أسعار العقار والحاجة لمنشآت رياضية ولتجهيز تكنولوجي، ما ان يتم تأمينه حتى يظهر تجهيز أكثر تقدما عليه، وكلها نفقات كبيرة ومشروعة، بل في معظمها ضرورية.
وأدى تراجع الدعم الحكومي وارتفاع كلفة التعليم الى النتيجة المتوقعة التي نعرفها جميعاً، أي الزيادة الكبيرة في رسوم التسجيل. فإن توقفنا لحظة امام نموذج الولايات المتحدة، وهو الأكثر انخراطا في المنطق النيوليبرالي، لوجدنا ان تلك الرسوم قد ارتفعت اكثر من ثلاثة أضعاف ارتفاع أسعار السلع التجارية، بحيث بات العرب، حتى الموسرون منهم، يفكرون ملياً قبل ابتعاث أولادهم الى الجامعات الأميركية ان لم يحصلوا على منحة لذلك من حكوماتهم، ومعظمها عاجز عن ذلك. كيف لا وقد بات معدل الرسم السنوي في الجامعات الحكومية هناك 10 الاف دولار لأبناء الولاية، وضعفي هذا الرقم لمن هو من خارجها، بينما تجاوز معدل الرسم في الجامعات الخاصة 31 ألف دولار سنوياً، وهو رقم يلامس الخمسين او الستين الفا سنويا في الجامعات الأوسع شهرة. هكذا وصلت كلفة الشهادة الجامعية في اميركا اليوم الى أكثر من عشرة اضعاف ما كانت عليه منذ نصف قرن. وارتفع بالتالي حجم ديون الطلاب (وثلثاهم يلجأون لذلك) وبات معدل استدانة الطالب يوم تخرجه 40 ألف دولار بينما تعاظم هاجس حجم الدين الجامعي بعدما تجاوز نحو 1,2 ترليون دولار، لاسيما ان أكثر من 7 ملايين خريج أميركي هم فعلا عاجزون عن سداد الديون التي استلفوها للحصول على شهادة جامعية.
يعتبر البعض ان منطق السوق قادر بذاته على معالجة الأزمة، بمعنى ان الانتشار المتزايد في عدد الجامعات الربحية المحكومة بقانون العرض والطلب، من شأنه ان يفرض تصحيحا بنيويا على هذا الجنوح. والواقع ان معظم الجامعات التي أنشئت حديثا عندنا وفي العالم هي من هذا الصنف. وبينما ما زالت الجامعات الحكومية عندنا تستقطب الأعداد الكبرى من الطلاب، فإن التوجه العالمي هو في تزايد الجامعات الربحية وفي تعاظم اعداد مرتاديها، برغم الادعاءات التي لا تخلو من المبالغة او حتى الكذب والتي تلجأ اليها تلك الجامعات لتعظيم نوعية وجدوى شهاداتها. وأشار تقرير اميركي حديث الى ان الجامعات الربحية لا تنفق على التعليم الا 17,4 في المئة من مداخيلها السنوية، بينما توزع 20 في المئة منها كأرباح على المساهمين، وأن اكثريتها تنفق على الترويج لنفسها ضعفي ما تنفقه على التعليم.
نرى هنا المثالب بل المآزق التي يدفع اليها منطق السوق. فما موقفنا ونحن لم نصل والحمدلله الى تلك المآزق او اننا لم نصل بعد اليها؟ من غير الواقعي ابدا ان نعــود لموقف ينـــبذ منطق الســـوق بالمطلق، ويذهب للقول إن التعــــليم الجامـــعي هو بالأساس خــــدمة اجتـــماعية ينبـــغي على الدولة ان تتعهده بمفردها، لأن هذا واجبها ولأن التعلـــيم الخاص قد يذهـــب بنا الى الشطط المالي.
فالدول في مجملها باتت عاجزة عن تحـــمل كلفة هذا القطاع بمفردها، لا سيما انه كان على الحكومات ان تزيد ثلاثة أضعاف من انفـــاقها على التعــليم العالي لمجـــرد المحافظة على مستواه السابق، ونحن ندرك تماما ان أكثـــرية دولنا تلك عاجزة عن ذلك. ثم ان القطاع الخاص قد أبـــدى حسناته العديدة في التعـــليم الابتدائي والثــــانوي، ولا سبب للاعتقاد ان القطـــاع الجامـــعي سيكون عصيا عليه. انـــنا تجاوزنا حاجز استئثار الحـــكومات بالقطـــاع إذ تعددت المبادرات الأهـــلية، خيرية كانت أم ربحـــية، لإنــشاء جامعات جـــديدة. والحقيـــقة ان الفوارق بينها ما عادت واضحة تــماما، ما يشجع على القبول بالرأسمال الخاص في تمويلها.
ولكنه وفي المقابل من غير الصحي الذهاب نحو الخصخصة التامة وتحرير الدولة من واجباتها المفترضة تجاه هذا القطاع. فهناك العديد من الدول مثل سويسرا او الدنمارك او النروج، حيث الرسوم الجامعية رمزية والجامعات في أحسن احوالها. وفي الدول الأكثر تقدماً، فإن الفروقات في مستوى الدعم الحكومي هائلة من دون ان تتأثر نوعية التعليم بهذه الفروقات. وبينما تشكل نسبة الإنفاق الحكومي على التعليم العالي نحو 100 في المئة في اسكندنافيا وثمانين بالمئة في فرنسا و60 في المئة في كندا و35 في المئة في اميركا واليابان و25 في المئة في بريطانيا، وهي فروقات كبيرة جدا بين دول هي في المستوى نفسه من التقدم، يصعب على المراقب ان يجد تأثيرا كبيرا لهذه الفروقات على تصنيف هذه الدول من حيث جودة جامعاتها.
وبينما تتنوع وضعية الجامعات القانونية، فهمت الدول ان عليها ان تحول استئثارها السابق بالقطاع الى دور جديد مزدوج، فتستمر بتعهد الجامعات الرسمية من دون ان تتحمل بالضرورة كامل تمويلها، بينما تحاول تنظيم قطاع التعليم الجامعي الخاص من خلال إعطاء الرخص ومراقبة نوعيته، ومتابعة مدى احترامه لشروط إنشائه ومعاينة صلاحية الشهادات الصادرة عنه بصورة دورية. واني أرى من واجب الدولة أيضاً تعهد الجزء الأكبر من البحث العلمي في الجامعات التي تعطي الأولوية له، وفي هذا المجال، فإن تأخر الجامعات العربية خطير فعلا. كانت جامعاتنا بالأساس في أكثريتها رسمية، وبالتالي جزءا من جهاز الدولة التعليمي. اما جامعاتنا الخاصة القليلة العدد، فكانت لا تبغي الربح. ولكن العدد الأكبر من الجامعات الجديدة أسست بهدف الربح.
من هنا، فإن عجزت الدولة عن تبني القطاع بالكامل، فليس من حقـــها التخلي عن مســــؤولية تنظيمه. فمهما ادعى المنطق النيوليبرالي، فإنه يخـــطئ حيــن يزعم ان السوق قادر على إفراز ضوابطها بذاتها.
وهو يخطئ أكثر حين يزعم ان الشهادة الجامعية سلعة كغيرها. لقد واجهتنا مسألة مماثلة منذ عقد من الزمن في ماهية العمل الفــــني. وتوصلنا يومها لنتيجة ان الكـــتاب او اللوحة او الفـــيلم ثنائي الطبيعة، فهو سلعة كغيرها تباع وتشرى، لكـــنه شيء آخر أيضا لأنه ينضــــوي على مضمـــون والمضمون، يعني تعــبيرا عن هوية فردية او جماعية. كانت هذه هي الفلسفة التي بنيت عليــــها المعــاهدة الدولية عن التنوع الثقافي، التي كان لي فخر الإســــهام بصياغتها. ويقيني ان نظرة ممـــاثلة يجب ان تحكم الشهادة الجامعية، فالفـــوز بـــها يؤثر بقوة على مدخول صاحبها، ولكنها ليست سلعة عادية لأنها أيضا مضمون، والمضمون هوية.
ومسألة الهوية تستدعي سؤالا بات يوميا: بأي لغة نعلم؟ وهذا تحدي اتوقف عنده. لن يقبل عاقل بجواب على هذا السؤال مبني على اعتبارات المصلحة من دون غيرها. فالسؤال سياسي وثقافي قبل ان يكون تقنيا. لقد دفع العطش المشروع للاستقلال الثقافي الى جعل التعليم في جامعاتنا باللغة العربية وهذا امر محمود وطبيعي. لكن اكتفاءنا بهذا الجواب البدائي لم يعد اليوم كافيا لسببين على الأقل: الأول هو ضرورة اتقان طلابنا للغات الواسعة الانتشار كشرط من شروط ولوجهم لاقتصاد معولم، ما يعني انه من غير المقبول ان نحصر بعد اليوم اتقان اللغات العالمية على كليات الآداب الأجنبية، بل ان التمكن الحقيقي من لغتين أجنبيتين، ان لم يكن في مباراة الدخول للجامعة فعند التخرج منها، بات واجبا علينا إزاء طلابنا.
ثم ان رد الفعل الدفاعي بالتمسك بلغتنا القومية لا يجب ان يلهينا عن رغبة التأثير فيما حولنا. لقد تنبهت الدول الكبرى الى ان التعلم في جامعاتها من شأنه ان يضاعف من قــــوتها الناعمة في العالم. من هـــنا التنافس الهائل على استقطاب أولئك الذين سيكونون غدا نخبة البلدان الصاعدة. ولا أرى لماذا لا يدخل العالم العربي في ذاك السباق الذي يقتضي تعليما جامعيا أفضل، وانما أيــــضا تعليما بلغات غير العربية. واسمح لنفسي هنا بالإشـــــارة لتجربة حديثة في هذا الموضوع، اذ طلبت مني جامعتي انشاء كلية للشؤون الدولية. أنتم تعلــــمون ولا شك تمسك الفرنسيين بلغتـــهم الوطنية، واني احترم طبعا تمسكهم بها ولكني رأيت ان أي عامل في الشأن الدولي، عليه ان يكون متقنا للـــغة الأوسع انتشارا اليوم فوضعت شرطا للدخول هو التمكــــن الفعلي من اللغة الإنكلــــيزية، بل اخــترت ان يكون ثلـثا التعـليم بتلك اللغة.
لقد بات علينا ان نحافظ على استقلالنا الثقافي انما دون الإنغلاق عن حركة العولمة التي تضرب اليوم التعليم العالي بكل مظاهرها من انتقال للطلاب بالملايين للتعلم خارج اوطانهم الى قرار مئات الجامعات، لاسيما الغربية منها، بفتح فروع لها في الخارج، ولاسيما في بلداننا او على مقربة منها، الى نشوء سوق معولمة للأساتذة لاسيما في مجالات كالعلوم الاقتصادية والطب، الى عودة الى التعليم باللغات العالمية الواسعة الانتشار في الجامعات الوطنية. يمكننا طبعا ان نشيح النظر عن هذه الحركية المتسارعة ونقنع أنفسنا أن بإمكاننا البقاء خارجها. ولكن موقفا كهذا، الى جانب انعدام واقعيته، لا يفسر لنا الانخراط الواسع لدول صاعدة كالصين او البرازيل او الهند في حركية العولمة الجامعية ولا ينبهنا الى الفوائد التي ترتجيه دول هي ليست اقل حرصا منا على استقلالها من ذاك الإنخراط.
] جزء من محاضرة ألقيت في افتتاح الدورة الثامنة والأربعين لاتحاد الجامعات العربية ـ جامعة القديس يوسف.