إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

مشاريع المياه في لبنان وسدودها.. غير استراتيجية ولا ضرورية - حبيب معلوف (السفير)

 لم يضف التقييم البيئي الاستراتيجي لاستراتيجية المياه الذي أعلن عنه وزير البيئة الاسبوع الماضي شيئا مهما على الانتقادات البيئية التي طالما طاولت خيار انشاء السدود السطحية قبل وضع استراتيجية المياه العام 2010 وبعدها. لا بل تجاهل التقييم، الذي أعدته شركة غير متخصصة على ما يبدو في القيام بتقييمات استراتيجية، جوهر النواقص في استراتيجية وزارة الطاقة التي طالما تناولناها. والمعلوم ان وزارة الطاقة لم تكترث تاريخيا لدراسة الاثر البيئي لا اثناء وضع ما سمي «الخطة العشرية» التي كانت ترتكز في جوهرها على إنشاء الكثير من السدود السطحية، ولا بعد وضعها «الإستراتيجية الوطنية لقطاع المياه» العام 2010 واقرها مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة في 9/3/2012، من دون أن تفتح على النقاش العام، لا سيما مع الذين كانوا يعارضون توجهاتها. صحيح ان هذه الاستراتيجية اخذت بالاعتبار بعض الانتقادات التي تناولت ما كان يسمى «الخطة العشرية»، إلا أنها بقيت تفتقد الى اربعة أركان أساسية للاستراتيجيات، وبالتالي بقيت مجرد خطة مطورة للخطة العشرية ومنافسة لها ولا ترقى الى مصاف «الاستراتيجية». وهذا ما لم يظهره التقييم البيئي الاستراتيجي الذي وزعه وزير البيئة الأسبوع الماضي، من دون أن يتبناه، وقد علمت «السفير» ان وزارة الطاقة رفضت تبنيه أيضا بالرغم من مسايرة وزارة البيئة لها في جوانب كثيرة منه. فخرجنا بتقييم غير مرض لأحد! مما يدل على خلل إداري خطير في لبنان يشمل الملفات الاستراتيجية لإدارة أهم الموارد كالمياه.
أما الأركان الأربعة التي تفتقدها الاستراتيجية المزعومة لقطاع المياه فهي: أولا: عدم ارتباطها او انبثاقها عن استراتيجية شاملة للتنمية المستدامة. ثانيا: عدم اعتمادها على المعطيات الحقيقية للثروة المائية في لبنان من ضمن النظام الايكولوجي العام والذي يفترض ان تستند إليه أية إستراتيجية. ثالثا: عدم تحديد ودراسة الاستخدامات والحاجات وكيفية الترشيد فيها. رابعا: عدم تحديد الأولويات ضمن برنامج زمني معين.
تراهن خارطة الطريق التي وضعتها استراتيجية وزارة الطاقة على انشاء السدود المكشوفة والسطحية بشكل رئيسي لتأمين الكمية الاكبر للمياه والتي ستصرف عليها الكلفة الاكبر ايضا... بالرغم من ان هناك إمكانيات وبدائل أخرى أكثر أمنا واقل كلفة، كاعتماد التخزين الجوفي والترشيد في الاستخدامات كافة وضبط السرقات والهدر وحسن وعدالة التوزيع وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي.
صحيح ان خارطة الطريق المقترحة تعتمد على استخدام موارد المياه السطحية من الينابيع بطريقة مثلى والتي يمكن ان تزيد 64 مليون م3 إضافي وانها تعتمد على إعادة تغذية اصطناعية للمياه الجوفية التي يمكن ان تؤمن 200 مليون م3... إلا إنها تعتمد بشكل رئيسي على تخزين المياه السطحية في سدود وبحيرات بمعدل 880 مليون م3! بالإضافة الى تمديد خطوط النقل والشبكات والخزانات وتركيب العدادات وإعادة تأهيل مشاريع الري وتجميع مياه الصرف ومعالجتها (80 % حتى العام 2015).
وبذلك يبلغ عدد المشاريع القائمة حاليا وتلك المخطط لها في قطاع المياه، بحسب خارطة طريق الإستراتيجية، 321 مشروعا بقيمة ما يقارب مليارين ونصف المليار دولار اميركي للفترة الممتدة بين 2011 و2015 ، وهي في معظمها، كما هو ملاحظ، ستذهب لإنشاء السدود المكلفة وكان يمكن الاستغناء عن معظمها اذا ما أخذت الإجراءات البديلة والموفرة! ولا حاجة اليوم الى ما يسمى «تشريع الضرورة» لتمرير مشاريع السدود وبينها سد بسري، لان هذه السدود ليست ضرورية ويمكن الاستغناء عنها. كيف ذلك؟
ان من ابسط قواعد وضع الاستراتيجيات، ان تحدد هذه الأخيرة المعطى من الموضوع (أي المياه في موضوعنا) والحاجات والاستخدامات والطلب. وهذا يتطلب بداية، دراسة متأنية للمعطيات، بالإضافة إلى دراسة كيفية استخدام المياه في كل قطاع، مع توقع تطور الطلب على هذا المورد في سيناريوهات متعددة. ولكن ما معنى المعطى من الطبيعة؟
ان المعطى من الطبيعة او ما يسمى «المياه المتاحة» الذي يفترض ان يشكل ركنا أساسيا من أركان استراتيجية إدارة المياه، هو ما تقدمه الطبيعة من مياه سطحية ومتفجرة في ينابيع اولا. أي بمعنى آخر، هو ما تتيحه الطبيعة للإنسان للاستفادة منه من اجل تأمين سبل عيش النوع الانساني. وعند هذا المعطى يجب ان تبدأ الخطط، قبل البحث في سد مجاري المياه الطبيعية خلف سدود، وقبل حتى البحث في حفر الآبار والسحب من باطن الأرض (الأحواض الجوفية) من الاحتياط الاستراتيجي، الذي لا يفترض ان يمس، إلا في حالات الجفاف كما في صيف العام 2014. وهنا يبدأ الخلاف الاستراتيجي مع الذين وضعوا إستراتيجية الدولة، او مع من قيموا هذه الاستراتيجية.
فالمعطيات - الأرقام التي تذكرها الإستراتيجية مشكوك جدا بأمرها، كون الوزارة المعنية قد توقفت عن الرصد والقياس لفترة طويلة لا سيما لتلك المتساقطات من الأمطار (وخصوصا الثلوج) ولقدرة الينابيع على مدار السنة وحجم التدفق منها بالإضافة الى دراسة الأحواض الجوفية ومساحتها وقدراتها، وانتشار الآبار (الارتوازية) الجوفية وعددها وحجم السحب منها، بالإضافة الى حجم بيع المياه عبر السيترنات (الصهاريج) او حجم بيع المياه المعبأة... الخ.
كما تشكو هذه الاستراتيجية من ضعف الدراسات وخصخصتها في الفترة الأخيرة.
تستند الإستراتيجية الوطنية لقطاع المياه على الكثير من البيانات التي قد تم تحليلها ونشرها منذ عقود بالرغم من حاجتها للتدقيق والتحديث، مع التأكيد ان تحديث هذه البيانات القديمة يعتبر مهمة اساسية لتقييم الميزان المائي الحالي في لبنان ولوضع الاستراتيجيات وتحديثها دوما.
وعلى الرغم من موقع لبنان الجغرافي المميز من حيث هطول الأمطار والثلوج، فقد اعتمدت الاستراتيجية على البيانات التي تظهر أن هناك تقلبات كبيرة في معدل هطول الأمطار السنوية وكذلك تكرارا لسنوات الجفاف، إلا أنها لم تذكر شيئا عن الثلوج (لغياب البيانات) التي تعتبر المصدر الرئيسي لتغذية المياه السطحية والجوفية معا، مما يدعو الى الاستنتاج ان هناك قصدية ما، وتقديرات غير علمية، للتأكيد على سنوات الجفاف (المتقطعة والمتوقعة) من اجل تبرير مشاريع انشاء السدود السطحية والمكلفة وغير الضرورية.
كما تقصدت توقعات العرض والطلب في الإستراتيجية الوطنية لقطاع المياه للفترة 2010 - 2020 ان تظهر عجزاً مائياً كبيراً يُقدّر بحوالي 283 مليون متر مكعب في السنة حتى 2015 - 2016، لتبرر المشاريع المائية المقترحة والمتوقعة من تطبيق الإستراتيجية (تخزين سطحي، تغذية اصطناعية، وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة).
في حين ان هناك شكوك وأخطاء كبيرة حول تقدير المتساقطات بالإضافة الى الشكوك حول تقدير المياه المتوفرة او «المتاحة»، كما سنبين لاحقا، بالإضافة الى الاعتماد على كيول خاطئة لقوة وحجم تدفق مياه الينابيع، اما لنقص في اجهزة القياس او لعدم كفاية طرق القياس او لعدم القياس بتاتا. واكبر دليل على ذلك طريقة كيل اهم الينابيع التي يعتمد عليها لري بيروت وقسم من جبل لبنان كنبع جعيتا. ففي حين تقدر وزارة الطاقة متوسط حجم تدفق مياه جعيتا بـ70 الف م3 في شهر الشح أيلول، يؤكد احد الخبراء الالمان الذي زرع اجهزة قياس تدفق المياه على مخرج نبع مغارة جعيتا ان الحجم الحقيقي لتدفق المياه هو 146 الف م3 في الفترة نفسها وبعد الرصد لسنوات عدة ومتقلبة مناخيا! اي ما يقارب ضعف الكمية! الى هذا الحد هناك اختلاف في التقديرات، التي يمكن ان تقلب الميزان المائي رأسا على عقب. هذه التقديرات التي يفترض ان تستند اليها اية استراتيجية!

أين الأولويات؟

هذه الاسئلة وهذه المعطيات تحيلنا الى النقص الاستراتيجي الثاني في الاستراتيجية وهو يتعلق بعدم تحديد اولويات. فمهـمة اية استراتيجية بعد ان تشرح المعطيات والمشكلات... يفترض ان تحدد الاولويات والمعايير التي على اسـاسها تختار تلك الاوليات ومن ثم تحدد برنامجـا زمنــيا للتنفيذ.
انطلاقا من ذلك فان القيام بإجراءات موفرة وغير مكلفة (كالتي ذكرنا سابقا)، يفترض ان تكون لها الأفضلية والأولوية على تخزين مياه جديدة وراء سدود مكشوفة وإعادة توزيعها ليضيع نصفها تبخرا، ونصفها الباقي هدرا في شبكات التوزيع!
كما ان اعتماد السدود المكشوفة لزيادة تخزين المياه تحت عنوان زيادة ساعات التغذية يفترض ان يتسبب بزيادة حجم مياه الصرف الصحي وزيادة في مشكلتها وفي كلفة معالجتها.
فإذا كنا لا نعرف تماما ما هي الإمكانيات الحقيقية التي لدينا، فكيف وضعنا الاستراتيجية؟
وإذا كنا نتوقع تغيرا مناخياً وزيادة في حرارة الارض والجفاف وشحاً في المياه... فهل نخزن المياه خلف سدود مكشوفة ونعرضها اكثر للتبخر والتلوث والتسرب؟
وإذا كنا نتوقع زيادة في الطلب، الا يفترض ان نبدأ باعتماد سياسات للترشيد أولا؟
اليس علينا ان نبدأ أولا بالإجراءات الأكثر تحفظا والأقل كلفة؟
كما ان وضع إستراتيجية لإدارة المياه في لبنان، لا يمكن ان تكون منفصلة عن إستراتيجية أعم عن البيئة او عــن ما بات يـسمى «التنمية المستدامة». بمعنى ان تشمل هذه الإستراتيجية كل القطاعات التي هي على ارتباط وثيق مع قطاع المياه، كقطاعات السكان (وعددهم وتوزعهم ومعتقداتهم) والعمران والسكن والإسكان والنقل والسياحة والزارعة والصناعة والطاقة وترتيب الاراضي... والتنمية بكل أبعادها.
فالمياه مرتبطة باستعمالاتها، كما تتأثر كميتها ونوعيتها بمحيطها البيئي والسكني والعمراني.
على الاستراتيجية ان تحدد الأولويات والمعايير التي على أساسها تم اختيار تلك الأولويات. وعلى كل إستراتيجية ان تنطلق من فلسفة محددة تبرر الخيارات.
فإذا كانت المياه موردا متجددا ومادة غذائية أساسية للحياة، وهي أيضا بحسب الدستور، ملكية عامة لا يفترض ان يتملكها أحد وهي حق من حقوق الإنسان الحالي والآتي أيضا كالهواء تماما... على أية إستراتيجية منظمة ان تأخذ بالاعتبار هذه المعطيات، وان تحفظ حقوق الأجيال الآتية لا سيما لناحية حماية النوعية.

نواقص وبدائل استراتيجية

كيف تم وضع استراتيجية لإدارة المياه في غياب معلومات اساسية مثل:
ـ أجهزة قياس وقياسات دقيقة لمصادر المياه المتوفرة والمتاحة من الطبيعة والينابيع طبيعية و معلومات عن الاحواض الجوفية.
ـ فكيف تم وضع استراتيجية وهناك نقص هائل في المعلومات عن مجاري المياه التي يمكن الاستفادة منها والتي يمكن ان تشكل بديلا مهما عن السدود السطحية المكلفة.
ـ لا تسأل الاستراتيجية السؤال البديهي التالي: اذا كانت المياه للشرب مؤمنة في المياه المعبأة ومياه الاستخدام مؤمنة من السيترنات (الصهاريج) الى المنازل في كل لبنان... الا يعني ذلك ان هناك مياها كافية في لبنان وان المشكلة هي في سوء التوزيع والإدارة وليس في الندرة؟
ـ هناك نقص واضح وفاضح في معرفة كيفية ونوعية الاستخدامات لا سيما في القطاع السياحي. كما هناك نقص في المعطيات التي تساهم في معرفة مسارب الهدر وكيفية التوفير.
ـ لا احد يعرف ما هو عدد الآبار الارتوازية غير المرخصة في لبنان ولا حجم السحب منها؟
ـ مصادر وزارة الطاقة تتحدث عن وجود رخص لـ 21 ألف بئر خاص، من دون احتساب الآبار التي حفرتها الدولة ومصالح المياه... إلا أن المصادر نفسها تقدر غير المرخصة بعشرات الآلاف!
ـ من يعلم ما هو حجم المياه المعبأة؟ فإذا كان هناك اكثر من 20 شركة مرخصة والمئات من دون تراخيص، وقد أعلن وزير الصحة عن رقم محدد للشركات غير المرخصة، ولكن لا احد يعرف حجم المياه المعبأة ولا حجم التصدير!
ـ ان 70 % من المياه في لبنان تذهب لاستخدامات الري والزراعة وان بالإمكان توفير 50% من الكميات المستخدمة في هذا القطاع اذا تم اعتماد أساليب الري الحديثة كالتنقيط والرش وتشجيع الزراعات البعلية.
ـ لا احصاءات لحجم الاستهلاك في السياحة.
ـ ان نسبة الهدر في شبكات التــوزيع تقارب 50 % أيضا وبإصلاح الشبكات يمكن توفير نصف المياه الموزعة.
ـ ان تركيب عدادات بدل العيارات يمكن ان يوفر أكثر من 30 % من المياه في المـــنازل وأكــثر من 50 % في السياحة. فاين أصبحت عمليات تركيب العدادات بدل العيارات؟
ـ أين أصبحت وعود تحسين الجباية التي تدنت نسبتها الى ما دون 53 في المئة في ظل كلفة الإنتاج المرتفعة او نسبة الشواغر في الوزارة والمؤسسات العامة للمياه التي بلغت 70 %.
ـ ان تنظيم عمل حفر الآبار الارتوازية وإقفال غير المرخص وتركيب عدادات على المرخص يمكن ان يوفر ما يقارب 50% من المياه الجوفية في لبنان ويساهم في الحفاظ على سلامتها ويؤمن مداخيل مهمة للخزينة.
ـ ان استخدام مياه الصرف الصحي بعد معالجتها يمكن ان يوفر 50 % من المياه المستخدمة في الري (زراعات غير غذائية) والسياحة ويخفف بنسبة 70 % من مصادر تلوث المياه العذبة في لبنان.
ـ ان إعادة تنظيم المياه المعبأة وشراء الدولة لـ «الحقوق المكتسبة» وإعادة الاعتبار للمياه كملكية عامة يمكن ان يوفر مداخيل مهمة للخزينة.

تعزيز التخزين الجوفي

استفادت «الهيئة اللبنانية للبيئة والانماء» من دراسة الثلوج وطرحت العام 2010 امكانية الاستفادة من الثلوج صيفا، اثناء فترات الجفاف وذلك عبر دعم آليات اشتغال الطبيعة وليس عبر تحديها كما هي مع السدود المكشوفة التي تسد مجاري الانهر. وطالبت بدرس اقتراح ان تتم زيادة القواميع (التي هي كناية عن جور فوق قمم الجبال تتكثف فيها الثلوج في فصل الشتاء وتستمر في الذوبان لفترة طويلة في الصيف) لزيادة تغذية المياه الجوفية وقدرة الينابيع على العطاء اطول فترة ممكنة في فصل الصيف، وبكمية اكبر، يمكن الاستفادة منها وتوزيعها بالجاذبية الى المشتركين، فيشرب الناس من مياه الينابيع النقية الطبيعية بدلا من ان يشربوا من مياه السدود الملوثة والمعالجة.
انطلاقا من هذه الدراسات، تم الاستنتاج ان هناك حاجة ملحة لتغيير السياسات تحسبا لهذه التغيرات المناخية التي بدأت فعلا ولم تعد من باب التكهن. فمتوسط الحرارة ارتفع اكثر من درجة، وعلى الحكومة والادارات المعنية ان تتحضر لاعتماد سياسات جديدة مختلفة تماما عن سياساتها الحالية.
ولعل اهم التغييرات المطلوبة في موضوع المياه، التي يجمع عليها المتابعون، هي ايجاد شبكة رصد جدية للمتساقطات، ولتصريف الأنهر والمياه الجوفية، وخصوصا للمياه والأحواض الجوفية التي تعتبر الأصعب، والتي لم يتم درسها بعد.
كما تحتاج السياسات الجديدة الى الشفافية. فلم يعد من معنى للتستر على الارقام بحجة عدم كشفها امام العدو، في وقت يجزم البعض ان عدونا يعرف اكثر من بعض خبرائنا عن مياهنا.
بينت دراسة الثلوج ان في لبنان امكانيات كبيرة لم تكن محسوبة. فلماذا لا نحسن الاستفادة منها بأقل ضرر ممكن على النظم الهيدرولوجية والايكولوجية، عبر مساعدة الطبيعة وتقليدها في طرق التخزين تحت الأرض وتعزيزها، بدلا من تحديها عبر انشاء السدود السطحية المكلفة وغير المجدية؟!
فأي مراقب لطريقة تخزين الثلوج الطبيعية في القواميع، قبل ان تثبت ذلك الدراسات، يعرف انها الطريقة الافضل لتخزين وحفظ المياه ولاستدامة جريان الينابيع... فلماذا لا يتم وضع دراسات لكيفية تعزيز هذه الحفر التي يمكن ان تؤمن زيادة في تخزين الثلوج، وزيادة بالتالي في مستوى المياه الجوفية، وفي قدرة الينابيع على العطاء؟ على ان تستفيد الدولة من الفائض وتحسن توزيعه.
ويجمع علماء الجيولوجيا انها الطريقة الامثل للتخزين والحفظ والتكيف مع التغيرات المناخية وزيادة الطلب على المياه... بالإضافة الى اتباع أساليب اخرى من اساليب ما يسمى «التغذية الجوفية»، التي تم إهمالها في وزارة الطاقة والمياه عندنا، عندما وضعت «الخطة العشرية»، التي اختصرت بإنشاء السدود السطحية المكلفة والخطرة!

المعطيات المنقوصة

يستفيد دعاة إنشاء السدود في لبنان من كل تغير ظاهر في المناخ، من كل تأخر في تساقط الأمطار والثلوج، للترويج لخططهم القائمة بشكل رئيسي على ضرورة تخزين المياه خلف سدود مكشوفة.
ولكن السؤال الذي يطرح: كيف وضعنا خططا عشرية وغير عشرية واستراتيجيات لإدارة المياه في لبنان إذا لم تكن لدينا معطيات علمية عن حجم ونوع وآلية تكون واشتغال الثروة المائية لا سيما الثلوج والأحواض الجوفية؟ وهل يمكن ان يتم وضع خطط واستراتيجيات بناء على معطيات وأرقام غير دقيقة وعلى تكهنات؟
بينت الدراسة التي بدأت كلية الهندسة في الجامعة اليسوعية بإعدادها منذ العام 1996 بإشراف عميدها الدكتور وجدي نجم (راجع «السفير» في 19/1/2010)، ان هناك إمكانيات كبيرة للثلوج في لبنان وان لها دورا مهما في النظام الهيدرولوجي، يفترض دراستها أكثر لناحية الاستفادة منها، خصوصا مع التغيرات المناخية المنتظرة وانعكاسها على السياحة والزراعة والثروة المائية المتوفرة عامة.
فماذا في هذه الدراسة ولماذا تم إهمال دراسة هذا الجانب الهام من الثروة المائية في لبنان من قبل الإدارات الرسمية المعنية، بالإضافة الى دراسة الأحواض الجوفية؟
وهل حان الوقت، مع زيادة المؤشرات التي تدل على حتمية حصول أزمة مائية في لبنان، لإعادة النظر في الادارة والسياسات المتبعة مؤخرا في وزارة الطاقة وفي بنيتها وهيكليتها، ودراسة بعض الآراء التي تطالب بفصل وزارة الطاقة عن المياه، كي يعطى لكل موضوع حقه؟ وهل حان الوقت لإعادة طرح ما يسمى «الاستراتيجية» للنقاش، لا سيما لناحية إنشاء السدود المكلفة وغير الضرورية وطرح البدائل، قبل التورط أكثر في مشاريع مماثلة لتجربة سد شبروح البالغة السوء... نحو وضع إستراتيجية اشمل تعتمد على حماية المصادر وترشيد الاستهلاك في الاستخدامات كافة وعدالة التوزيع، وتعيد التأكيد على ان المياه ملكية عامة وتعيد النظر بمسألة الحقوق المكتسبة والقيام بمشاريع حفظ وتخزين تساعد وتقلد الطبيعة بدلا من ان تتحداها؟

التعارض مع خطط ترتيب الأراضي

كان واجبا على استراتيجية المياه ان لا تتعارض مع استراتيجية التنمية المستدامة البيئية التي تقوم في مبادئها الاولى على الفلسفة الحفاظية وفلسفة الحماية، مما يعني حماية الخزانات المائية الطبيعية عن طريق التنظيم المستدام لاستعمال الأراضي. كما كان عليها ان لا تخالف الخطة الشاملة لترتيب الأراضي التي أقرها مجلس الوزراء في العام 2009 (المرسوم 2366/2009). مع العلم ان تخزين المياه الجوفية التي تعتبر العمود الفقري للثروة المائية في لبنان هي على ارتباط وثيق بترتيب الاراضي والمخطط التوجيهي الذي يعتمده لبنان. فحماية الاحراج الموجودة او الباقية وإعادة التحريج، مرتبطة بقوة بقضية المياه، ان لناحية استجلاب الغيوم والأمطار والثلوج، او لناحية حفظ التربة من الانجراف والمياه من السيلان السريع قبل التسرب الى باطن الارض وتغذية الاحواض الجوفية. كما ان لسياسات العمران والنقل الخاطئة انعكاسات سلبية على الثروة المائية، فزيادة مساحات الزفت والباطون على حساب المساحات الخضراء، لا سيما في المدن وعلى ضفاف الانهر، تمنع او تخفف من دخول المياه الى الاحواض الجوفية وتسهل عمليات التملح التي بتنا نعرفها كثيرا مما يتطلب سياسات جديدة لإعادة التغذية.
كما تتعارض معظم خطط ومواقع السدود السطحية المقترحة مع الخطة الشاملة لترتيب الاراضي ومع قرارات تصنيف المواقع التراثية وذات القيمة التاريخية بالإضافة الى قيمتها البيئة. كما هناك تعارض مع القوانين والقرارات البيئة للمحميات واستباحة الكثير من الوديان وتهديد الينابيع الطبيعية، كما هي الحال مع سد جنة وتهديد وادي ادونيس حامل القيمة التاريخية والتراثية والبيئية الفائقة بالإضافة الى تهديد سد القيسماني لنبع شاغور حمانا التاريخي، بالإضافة الى تهديد سد بقعاتا لأجمل الوديان في بقعاتا وكفرتيه وزرعايا... على سبيل المثال لا الحصر.

تقييم الآثار البيئية

صحيح ان برنامج الاستراتيجية لناحية الانتاج يهدف الى استغلال الحد الأقصى من مصادر المياه السطحية وتحسين إدارة مصادر المياه الجوفية... الا انه لا يأخذ بالاعتبار الاثر البيئي لتخزين المياه السطحية (سدود وبحيرات). ولا تنفع حجة تلبية الحاجة الى هذه المياه للأغراض المنزلية والري، والمساهمة في تقليل استخراج المياه الجوفية في المناطق المخدومة. فالسدود ستستهلك مساحات شاسعة للأراضي مما يستوجب استملاكات واسعة النطاق ومكلفة. وستغمر بعض السدود موائل طبيعية ومواقع محمية مثل الغابات والنظم البيئية النهرية وبعض الأنواع النادرة. كما تحتاج معظم السدود الى حفريات واسعة وقطع للأشجار وتخريب للتنوع البيولوجي مما يغير التضاريس والمناظر الطبيعية بشكل ملحوظ. وسوف تخلق السدود مسطحات مائية جديدة بحاجة إلى إدارة وحماية لمنع تلوثها، وهذا امر شبه مستحيل في بلد مثل لبنان (وتجربة سد القرعون اكبر برهان). وقد تغير هذه المياه النظام الايكولوجي برمته من جاف صيفا الى رطب، قد تتسبب بمشاكل صحية (على كل الكائنات المحيطة وبينها الانسان) لا احد يستطيع تقدير فداحتها. بالإضافة الى تغيير النظم الزراعية والانتقال من الزراعات البعلية المتأقلمة مع محيطها الطبيعي منذ آلاف السنين، الى زراعات مروية جديدة، قد تحمل معها امراضا جديدة الى المحيط الطبيعي وتحتاج حتما الى الكثير من المخصبات والمبيدات الكيميائية التي تعتبر ثاني ملوث للتربة والمياه بعد الصرف الصحي.
اما الاثر البيئي لعمليات توزيع ونقل المياه فيمكن ان يكون اقل بكثير لناحية الحفر واستهلاك الطاقة اذا كانت عبر مشاريع النقل من الينابيع بواسطة الجاذبية، وأثرها اكبر على البيئة اذا كانت ستعتمد على خيار السدود الكبيرة مع انشاء محطات للمعالجة والضخ التي تتطلب كلفة كبيرة واستهلاك طاقة اكبر، مما يساهم في زيادة التلوث ايضا.

← العودة إلى مختارات