"سبعون" الأمم المتحدة... ولبنان - علي بردى (النهار)
كان لبنان من الدول الخمسين الأولى التي وقعت ميثاق الأمم المتحدة في 26 حزيران 1946 بمدينة سان فرانسيسكو الأميركية. تغنى اللبنانيون طويلاً بأن بلدهم عضو مؤسس في المنظمة الدولية قبل سبعين عاماً. غير أنهم حوّلوه بلداً معطوب الدولة. سخر سياسيوه من القيم المشتركة التي نادى بها المؤسسون، لبنانياً ودولياً. حبسوا أنفسهم في المصالح الضيّقة. لم يستلهموا سعة ميخائيل نعيمة.
كتب ميخائيل نعيمة مرات عدة عن الأمم المتحدة لأسباب يمكن الإعتداد بها. لا تزال الأمم المتحدة منظمة لا غنى عنها. لا بديل حتى الآن عنها رمزاً للنظام الدولي الذي تأسس بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية. آنذاك انتصرت الإنسانية على أخطر أمراضها في القرن العشرين: النازية والفاشية. لولا ذلك الإنتصار لشاع فكر تدميري على أساس الدين واللون والعرق والجنس. التأليه للشخص - الزعيم والعبودية للناس – المواطنين. كان انهيار السلطنة العثمانية مظهراً أول لانهيار هذا المحور، ثم تلتها بعد عقود قليلة هزيمة كل من ألمانيا وايطاليا واليابان. تحوّل العالم نتيجة هاتين الحربين مجرد حطام.
كان صاحب "سبعون" ناقداً لاذعاً لأوجه القصور التي تعانيها الأمم المتحدة. حمل على تقاسم المنتصرين والأقوياء النفوذ على الساحة الدولية. توصل ممثلو 50 دولة – منها لبنان ودول عربية أخرى – الى نص ملهم سمّي ميثاق الأمم المتحدة. جاء منادياً بالمساواة والحرية والكرامة والسلام، وملبياً تطلعات الشعوب، وداعياً الى تنشئة مواطنين عالميي الآفاق. غير أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن (الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وروسيا والصين) كانت ولا تزال ترسم عملياً مصائر الدول الأخرى الأعضاء في المنظمة الدولية. لا مبالغة في عيوبها الكثيرة. يمكن الإسترسال في وصف هذه العيوب. غير أن الحقيقة الماثلة هي أن دول أوروبا – ومنها ألمانيا وايطاليا - وروسيا واليابان قامت من الدمار الرهيب. هناك ذرائع كثيرة لأسباب بقاء الشرق الأوسط ودوله العربية خصوصاً في مستنقع الأزمات والحروب. لا شك في أن اسرائيل تسعى الى الهيمنة. غير أن طريقها الى ذلك معبد بالتخلف العربي. العكس ربما أيضاً صحيح.
لا ضير إن تعرضت الأمم المتحدة لانتقادات. ليس هذا تحديداً ما يغيّر من أحوالها وأحوالنا.
خرج ميخائيل نعيمة باكراً من الشرنقة اللبنانية. على ديدن من فتحوا عيونهم على العالم وشقّوا كل البحار، قصد ميخائيل نعيمة أوكرانيا فأتقن الروسية، ثم الولايات المتحدة فتزامل وجبران خليل جبران في "الرابطة القلمية". لم يعد "ناسك الشخروب" الى بسكنتا إلا بعدما صنع من نفسه مواطناً عالمياً.
وكان ذلك قبل نشوء الأمم المتحدة.