إتفاق نووي بلا مبرر - ساطع نور الدين (المدن)
ي ايران، البلد الوحيد في العالم الذي تتعايش فيه الدولة مع الثورة، وتبدو فيه تلك الازدواجية من طبائع الامور، لا يمكن ان يندرج الاتفاق النووي مع الغرب في حساب احداهما.. برغم انه بلا ادنى شك منعطف تاريخي في العلاقات الايرانية الاميركية، التي مرت بمراحل كثيرة من العداء والخصومة، قبل ان تنفتح أمامها آفاق جديدة في اعقاب هجمات 11 ايلول العام 2001. لم يكن مرشد الجمهورية الايرانية آية الله علي خامنئي يهذي عندما حذر قبل ايام، في خطاب امام حشد من الطلاب الجامعيين الايرانيين، من الخطر الشيوعي، مثلما لم يكن يغازل الاميركيين ويناور على الروس، بوصفهم مبددي إرث الشيوعية. في طهران، هناك على الدوام قراءة خاصة للسياسة الدولية، بعضها مستمد من تجربة الدولة الايرانية وبعضها الاخر مسكون بهواجس الثورة. لكنها لا تستوي في منطق محدد، ولا تخضع لتأويل واحد. الاتفاق النووي نموذج جديد عن غرائب السياسة الايرانية المزدوجة. لم تكن ايران تطمح الى انتاج سلاح ذري، بل الى إمتلاك القدرة على صنعه. وهي لم تقترب كثيرا من ذلك الحد. لكنها فاوضت ووقعت على اتفاق يحاصر برنامجها النووي ويخضعه لعمليات تفتيش وتدقيق مشددة. ثمة في طهران من كان يجاهر بان ذلك البرنامج هدف منذ اللحظة الاولى الى استفزاز الاميركيين واستدعائهم الى طاولة الحوار والتفاوض. كان ورقة مساومة مثله مثل الحلفاء الكثر الذين استخدمتهم ايران ضد اميركا، وما زالوا حتى اللحظة يرددون شعار الموت لها.. من دون وفودها الاقتصادية والتجارية وحتى السياسية التي تشغل فنادق العاصمة الايرانية منذ أشهر. الثمن الذي دفعه الغرب لقاء ذلك البرنامج لا يمكن ان يوضع خارج سياق تلك الازدواجية الايرانية، ولا يمكن ان يقود الى الاستنتاج المبسط السائد حاليا بان الدولة انتصرت على الثورة في ايران، او بان العصبية الوطنية استعادت أمجادها وتفوقت على الاميركيين وعلى الغرب، أو بان ولي الفقيه، خامنئي، قرر توريث الاصلاحيين من بعده. مثل هذه القراءات صحيحة كلها، لكنها قاصرة عن فهم العقل السياسي الايراني المعقد والمبطن، والذي يعتمد على معايير خاصة جدا في التعامل مع الاخر. هناك دينامية جديدة بدأت في ايران بلا شك. وهي غير انقلابية. نجح البرنامج النووي في استدراج الغرب، وفي اطلاق نقاش داخلي مختلف في طهران، بين الاجيال الجديدة التي لم تكن تطمح الى دخول النادي النووي بقدر ما تتوق الى الاندماج في الثقافة والقيم الغربية، وبين الاجيال القديمة التي لم تكن تترقب نصراً إلهياً في الصراع مع الشيطان الاميركي.. وبين الشيوعيين الايرانيين( وهم كثر فعلاً في دولة ولاية الفقيه) الذين ما زالوا يحلمون بزوال جميع اشكال الامبرياليات الغربية والشرقية، والاسلامية طبعا.. في آذار الماضي ، إرتكب كثيرون خطأ فادحا عندما رأوا في اعلان النوايا الموقع في لوزان علامة للمصالحة التاريخية بين ايران واميركا. هذا الخطأ يتكرر الان. اتفاق فيينا ليس نهاية المطاف، بل هو مجرد بداية طريق طويل وشاق هدفه التثبت من حسن النوايا النووية والسياسية المتبادلة. والقراءة الاولى للنصوص والملاحق والهوامش وما حولها، توحي بان تلك البداية يمكن ان تتوقف في اي لحظة، سواء من الجانب الايراني او من الجانب الاميركي، كما يمكن ان تؤسس لعمليات مراقبة ومتابعة قد تمتد اكثر من 25 عاماً. وهي فترة قد لا يكون فيها أحد من الموقعين على قيد الحياة ليحضر الاحتفالات بالمصالحة. في خطبة الجمعة الاولى بعد الاتفاق، لن يردد خامنئي شعار الموت لامريكا، لكنه لن ينسى ان الاميركيين الذين استجاب لدعوتهم الى طاولة المفاوضات ليسوا حلفاء او شركاء جاهزين او موثوقين. تخصيب العلاقات الثنائية يحتاج الى اكثر من اتفاق نووي والى اكثر من تفاهم أمني.. يمكن ان تطيح بهما الغالبية سواء في الكونغرس الاميركي او في غيره من المحافل الدولية والاقليمية التي لم تدرك حتى الان السبب الفعلي لاتفاق ليس له مبررٌ ذريٌ او سياسيٌ كافٍ. - See more at: http://www.almodon.com/opinion/0206150c-09b3-4219-8bb8-af1e319e030d#sthash.Jnh85rPx.dpuf