هل يتبنّى الحراك المدني اتجاهات استراتيجية لإدارة أزمة النفايات؟ - حبيب معلوف (السفير)
بغضّ النظر عن مطالب الحراك المدني وما إذا كان يعترف بالموجود من شرعية أم لا، على الحراك أن يكون لديه برنامج بديل يقترحه. كما على البرنامج البديل أن يكون مدروساً جيداً، قدر الإمكان، انطلاقاً من المسؤولية التاريخية، خصوصاً في ظل عجز السلطات الرسمية وفشل الإدارات الرسمية الواضح. مع الإشارة إلى أن تغيير النظام السياسي يمكن أن يبدأ بإحداث تغييرات جوهرية في الأنظمة المعتمدة في معالجة الكثير من الملفات. لاسيما في المقاربات البيئية والاقتصادية. ومع العلم أيضاً، أن مشكلة النفايات ليست مشكلة تقنية ولا مشكلة بلدية فقط، إنها في الأساس مشكلة اقتصادية وسياسية بامتياز، ناجمة عن الفكر الليبرالي ونظامه وعن النظام الاقتصادي المسيطر، وكنتيجة حتمية لاقتصاد السوق وتحرير التجارة، نظام اقتصادي يقوم على المنافسة الشرسة ويستبيح الموارد ويستنزفها من دون قيد ويشجع على زيادة الإنتاجية وزيادة الاستهلاك، ما يعني في الحصيلة زيادة إنتاج النفايات بشكل لا حدود له. ولذلك يفترض بالمعالجات أن تبدأ من المصدر، أي بتغيير السياسات المنتجة للأزمة عبر اعتماد مبدأ التخفيف من إنتاج النفايات في مصادرها.
انطلاقاً من ذلك، لا يمكن تبني طرح معيّن لاسيما الرهان على البلديات بحلّ مشاكل النفايات لمجرد الإفراج عن أموالها او مستحقاتها. فموضوع اللامركزية الذي عاد التداول به بقوة مؤخراً، له شروط «مركزية» لإنجاحه. فالبلديات لا تستطيع أن تحلّ أبسط المشاكل من دون وجود دولة مركزية قوية لديها استراتيجيات وخطط ونظام معالجة مترجمة في قوانين ومراسيم تنظيمية. باختصار لا تستطيع أي بلدية أن تحل مشاكل النفايات المنزلية لا تلك الصلبة (موضوع الساعة) ولا تلك السائلة كالصرف الصحي التي لا تقلّ خطورة عن تلك الصلبة والتي تلوث البحر والأنهر والمياه الجوفية بالإضافة الى المزروعات عندما يتم استخدامها في الري... إلا من ضمن خطط مركزية تضعها الدولة. كذلك الأمر بالنسبة الى النفايات المنزلية الخطرة (النفايات الالكترونية على انواعها والأدوية وأدوات التنظيف والبطاريات...) التي يمكن للبلدات أن تساهم في جمعها في حاويات والتي تحتاج الى معالجات خاصة لا تستطيع أن تقوم بها إلا الدولة عبر ايجاد مراكز معالجة او التفاوض مع الشركات الأم او الوكلاء لاستردادها (وهو الخيار الأنسب). بالإضافة الى النفايات الصناعية التي على الدولة أن تضع معايير وطرائق معالجتها وعلى البلديات أن تساهم في إيجاد الأراضي لتكون مراكز معالجة... الخ
من هنا يُفترض أن تصبح مطالب الحراك المدني في موضوع إدارة النفايات مطالبة الدولة بوجود استراتيجية متكاملة للمعالجة تقوم على التخفيف (عبر تعديل النظام الضرائبي ليعكس الكلفة الحقيقية للمنتجات) والتصنيف (التمييز بين أنواع النفايات والمكوّنات) والفرز من المصدر، كمبادئ استراتيجية يفترض أن تترجم بقوانين وأنظمة وخطط ومناقصات ودفاتر شروط... الخ فلو كان في الخطط الفاشلة لمعالجة النفايات هذه المبادئ التي تترجم بأن تقوم الدولة بدورها في وضع الاستراتيجيات والضرائب وتحديد وتسهيل مهمة البلديات والمؤسسات والأفراد وإشراكهم جميعاً في الحلول عبر الفرز على الأقل، لكنا الآن أمام مشهد مختلف تماماً، ولكان الكل شريكاً في النجاح او تحمل مسؤولية الفشل.
يمكن الاستنتاج من كل ذلك أن لا غنى عن دور الدولة في وضع الاستراتيجيات والمعايير... وأن أي مشاريع لامركزية لا يمكن أن تكون ناجحة إلا إذا كان هناك دولة مركزية قوية وعادلة. والدولة لا يمكن أن تكون قوية وعادلة إلا إذا استقلّت عن قوى السوق وعن القوى الطائفية والمذهبية والمستقوية... وأصبحت دولة مدنيّة على صورة المجتمع المفترض أن يصبح مدنياً أيضاً. وهذا ما يُفترض أن يشكل جزءاً من برنامج الحراك الشعبي (تحقيق المجتمع المدني والدولة المدنية التي تخضع لقوانين مدنية مصدرها الشعب). يُضاف الى ذلك تحديد دور الدولة في الاقتصاد وفي ما يُسمّى مشاريع الإنماء. ونسارع الى تنبيه الحراك المدني من تبني مطلب «الإنماء المتوازن» الذي هو في الحصيلة مطلب طائفي ومذهبي ومناطقي وغير علمي ولا تقني، ولا يخدم مصالح الشعوب ولا شروط الاستدامة وحماية البيئة. فالمطلب الأكثر واقعية هو «الإنماء المتكامل»، المستند إلى الجغرافيا والبيئة والتوزيع السكاني والذي يعتبر لبنان بلداً واحداً يجب أن تتنوّع فيه مشاريع التنمية بحسب الحاجات والمناخ والبيئة. وتصبح العدالة ليس في توزيع وتكرار المشاريع بين المناطق، بل في التنوّع والتكامل في ما بينها. بالإضافة إلى إعادة الاعتبار الى الملكية العامة وحمايتها من الاعتداءات والتسلّط والاستغلال.
فما هي المبادئ الاستراتيجية التي ناقشتها مجموعة من الخبراء المخضرمين في قضايا البيئة والتي يُفترض أن يرفعها الحراك المدني إنْ بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، كمساهم في إيجاد الحلول على المديين القصير والبعيد؟
المبادىء الاستراتيجية للتخفيف
1ـ إعادة الاعتبار لدور الدولة في وضع الاستراتيجيات وتنظيم عمل المجتمع والقوى الفاعلة فيه وإدارة الموارد الطبيعية وحفظها وحفظ حقوق الإنسان والترخيص للشركات وإمكانية سحبها.
2 ـ اعادة النظر بكيفية الترخيص للشركات وتلزيمها وتقييمها.
3 ـ ضرورة إقرار تشريعات وقوانين تضمن حق المستهلك بالوصول الى المعلومات ومعرفة الكلفة الحقيقية للإنتاج ومكوناته.
4 ـ تعديل الأسعار لتعكس الكلفة الحقيقية لإنتاج السلع، بما فيها تكاليف التأثيرات على الهواء والماء والتربة، وتغيّر المناخ عند الإنتاج وتكاليف معالجتها بعد أن تتحوّل الى نفايات... بالإضافة الى الكلفة المترتبة على الأجيال الآتية في حال لم تكن المعالجة نهائية.
5 ـ إعادة النظر بالنظام الضرائبي: يلعب النظام الضرائبي عندنا دوراً سلبياً جداً ضد فكرة الاستدامة. فهو يشجّع الاستهلاك ويراكم النفايات ولا يأخذ بالاعتبار ديمومة الموارد وكلفة معالجة النفايات. وهو نظام يرهق الرواتب ويدمّر البيئة. وهو يشجّع على الغش والاحتيال والتلاعب، والتهرّب من دفع الضرائب أيضاً.
فاذا رفعنا الضريبة على المنتجات لتعكس الكلفة الحقيقية للإنتاج (كما هو مذكور في البند 4) وعلى السلع التي تتحول الى نفايات، وعلى المخصبات الصناعية والمبيدات الكيميائية والوقود الأحفوري... نكون كمن يشجع استخدام السلع الأكثر استدامة وخففنا من انتاج النفايات، ونكون قد شجعنا الزراعة العضوية واستخدامات الطاقة المتجددة اللامركزية التي يستفيد منها الأفراد وليس الشركات الكبرى فقط، بالإضافة الى إعادة تشجيع رياضة المشي او ركوب الدراجات او وسائل النقل العامة...الخ.
6 ـ إعادة تملك الدولة (إدارة) الموارد الطبيعية الأساسية للبلاد كالماء (الأحواض والخزانات الجوفية والينابيع الكبرى والمجاري) والتربة (المقالع على انواعها والكسارات والمرامل وشركات الترابة) والغابات (المشاعات وقمم الجبال)، وحسن إدارة الأملاك العمومية، ولاسيما الأملاك البحرية والنهرية منها... او تحويلها الى مرفق عام... تحت عناوين الحفاظ على ديمومتها وحمايتها وزيادة مداخيل الدولة من عائداتها وتحسين الخدمات الاجتماعية للمواطن وتخفيض الكلفة عليه.
7 ـ تصحيح الخطأ التاريخي المتمثل بالتعارض بين دورة الطبيعة والحياة الدورية والنمط الاقتصادي الصناعي الإنتاجي الخطي. لا يوجد في الطبيعة منظومات خطية. وكل نظام خطي مصيره الانقراض. معظم الأنظمة الطبيعية التي نعرفها دورية وشبه دائرية، حيث تعيش الكائنات على بعضها ومن بعضها في دورة حياة معينة. بعكس المنظومات الصناعية التقليدية التي تنتج وتحوّل المنتوجات والسلع الى نفايات بعد استهلاكها. من هنا ضرورة دعم إعادة تصميم وسائل إنتاج دورية تحاكي المنظومة الطبيعية، وتشجيع صناعات التحويل وإعادة التدوير حتى لا يضيع شيئاً، وحتى لا تتحوّل السلع الى نفايات.
8 ـ التغيير في أنماط التصنيع ليصبح اكثر استدامة:
ـ تشجيع تصنيع المواد التي تتحول نفاياتها غذاء لمنظومة حية أخرى. وهذه حال فضلات العديد من المواد الغذائية التي يمكن أن ترمى في الارض وتتحول الى اتربة.
الا ان هناك الكثير من المواد التي يمكن أن تكون من هذا النمط إذا ما حصلت على المحفزات الضرائبية المناسبة، مثل صناعة الألبسة والأحذية وحفاضات الاولاد والعلب وأغلفة المواد الغذائية... التي تحتوي صناعتها اليوم على مئات الأنواع من الكيميائيات والمبيدات والأصبغة والمعادن السامة مثل الزنك والقصدير والرصاص والكروم، والتي تتطلب طاقة كبيرة لإعادة تدويرها، اذا ما تمت إعادة تدويرها ولم ترمَ في الأرض وتلوثها.
فهذه المواد كلها يمكن تصميمها لكي تتحوّل بعد استهلاكها، الى مواد عضوية ايضاً في الطبيعة، قابلة للتحلّل والتعفن.
ـ تطبيق مبدأ الاستئجار بدلاً من التملك: هناك أيضاً الكثير من السلع والمواد الالكترونية، الكثيفة الاستعمال، والتي بات تصنيعها وتطويرها يتغيّر باستمرار (بالرغم من تصنيفها عالمياً بالمواد المعمرة)، والتي يمكن ان تتحول الى نفايات بسرعة مثل الكمبيوترات والسيارات وأجهزة التلفزيون والراديو وكاميرات التصوير والفيديو والثلاجات والغسالات... هذه الأدوات، يفترض ان لا يتم تملكها، بل استئجارها ضمن عقود معينة بين الوكيل والشاري، ضماناً لحقوق المستهلك، الذي يسهل ردها عليه إذا تعطل فيها شيء او غيّر رأيه فيها... وهكذا يفترض ان تعود إلزامياً الى مصنعها الاصلي. هذه الصناعات يفترض ان تصنع وتستخدم وتعاد إلى المصنّع، ضمن منظومة دائرية مغلقة.
اذا طبقت هذه المنظومة الدائرية فإنها ستلزم الشركات بالتصميم على أساس إعادة التفكيك والتصنيع لاحقاً. وعندما تعرف الشركات أن منتجاتها ستعود اليها حتماً، فإنها ستبتدع بالتأكيد مقاربات مختلفة في التصميم والتصنيع. كما يمكن لتأجير مجموعة من الأدوات كالآلات الناسخة والبرادات والسيارات بدلاً من تملكها، أن يحد من السباق المحموم للإنتاج الجديد من خلال تشجيع إعادة التدوير الدائمة، كما يساهم في التخفيف من الزيادة في استهلاك المواد الأولية واستنزاف الطبيعة.
ـ تطبيق مبدأ الاسترداد: اما المنتجات التي تحتوي على المواد الخطرة، مثل المواد الكيميائية والمواد السامة والإشعاعية والمعادن الثقيلة... والتي لا يوجد اي منظومة حية تتغذّى عليها، وبالتالي لا يمكن رميها او طمرها او حرقها أبداً... فهي مواد غير قابلة للمتاجرة، ويجب ان تجمع في مستوعبات، بالتعاون مع السلطات المحلية (البلديات)، على نفقة المصنع الأصلي (او الوكيل)، لحين استردادها ومعالجتها على نفقة المصنع نفسه، وبإشراف السلطات المعنية.
وزيادة في الحرص لعدم وصول هذه المواد الخطرة الى الطبيعة وباطن الأرض والمياه الجوفية، يمكن تحميل الجهات المصنعة مسؤولية وجود هذه المواد في الطبيعة، ومطالبتها برفعها أيضاً وذلك ضماناً لنجاح خطط التجميع والالتزام بها.
ـ دراسة دورة حياة المنتجات: وتقييم السلع على هذا الأساس. وكذلك الصناعات والمصانع التي تلتزم بالإنتاج النظيف الذي يبدأ من طرق استخدام المواد الاولية الى طرق التصنيع وتوفير الطاقة والمياه والاهتمام بصحة وسلامة العمال الى طرق التغليف والتوضيب الى استهلاك السلع وتحولها الى نفايات. فكل هذه الدورة يفترض ان تكون سليمة وصديقة للبيئة. على ان يتم تصنيف المصانع والسلع على هذا الأساس ومنحها شهادات الجودة البيئية.
ـ فرض رسوم عالية على الإعلانات وإصدار قوانين جديدة منظمة لها: رفع قيمة الرسوم على لوحات الإعلانات وعلى الإعلانات المنشورة في وسائل الإعلام كافة، وإجبار بعضها على وضع تحذيرات واضحة اذا ثبت أنها مضرة بشكل مباشر، ووقف او منع بعض الاعلانات الخطرة كلياً، ودعم الإعلانات المضادة، البيئية والصحية، حفاظاً على نوع ما او تشجيعاً لسلوك سليم ما... الخ.
ـ وضع المواصفات البيئية للسلع والمنتجات، ووضع ملصقات على السلع تعبّر عن «الجودة البيئية للمنتج» التي تشمل دورة حياة المنتج وبصمته البيئية والكربونية، أي مدى مساهمته في تلويث البيئة أثناء الإنتاج وبعد الاستهلاك والانبعاثات التي يتسبّب بها من الغازات المضرة بالبيئة والمناخ.
9 ـ الترويج لمقاطعة البضائع والمنتجات التي لا تلتزم بشروط الإنتاج المستدام، والتي تتسبّب منتجاتها بإنتاج نفايات لها آثار سلبية على البيئة.
كما يمكن إصدار «لائحة تشهيرية» سنوية بالبضائع والمنتجات غير المستدامة والدعوة لمقاطعتها تمهيداً وتشجيعاً لها كي تغير سلوكها وإنتاجها.
10ـ الفصل بين الأعمال والإدارات الرسمية: عدم وجود أصحاب مصلحة في قطاع ما، في السلطة.
11ـ الاستثمار في المستقبل: وضع سياسات والترويج لثقافة جديدة تعتبر أن مستوى التقدم والتنمية، لا يقاس فقط بكيفية الوصول إلى المعرفة والحصول على أدوات الاتصال كالكمبيوتر او الهاتف الذكي.
12ـ إعادة النظر بالنظم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وإعادة تأسيسها بناء على النظام الايكولوجي والمقوّمات الطبيعية والجغرافية والجيولوجية للوطن.
13ـ إعادة النظر بالنظام الغذائي بشكل كبير، وتشجيع ودعم النظام الغذائي النباتي الطبيعي والعضوي والطازج، والتخفيف من الاعتماد على النظام الغذائي الحيواني، او ذاك المعلب والمصنع والمغلف.
14ـ تشجيع العودة إلى النظام التمويني القديم الذي يقوم على تموين البيوت من الأغذية التقليدية التي تصنع في البلاد، مثل الثمار والخضار والحبوب المجففة.. الخ.
15ـ دعم الزراعات العضوية ووضع المعايير والأنظمة اللازمة لمراقبتها وضبطها وتشجيع العودة إلى الزراعات التقليدية، ولاسيما البعلية منها، خصوصاً تلك التي لا تحتاج إلى أدوية وأسمدة زراعية كيميائية واعتماد تقنيات موفرة للمياه في الري. وإعادة ترميم الزراعة الفلاحية القديمة التي عرفها الأجداد. وتشجيع إنتاج المنتجات الزراعية في مواسمها والمساعدة في تصنيعها أو حفظها وتسويقها.
16ـ وضع استراتيجية وإدارة متكاملة للمياه العذبة.
17ـ رصد ومراجعة القضايا العالمية والاتفاقيات الدولية وكيفية المساهمة في تعديلها وتطبيقها، لكوننا نعيش جميعاً على كوكب واحد. والقيام بمراجعات دائمة عبر التوفيق بين ما تطرحه الاجندات الدولية بالمقارنة مع الحاجات والأولويات الوطنية والمحلية واحترام الاتفاقيات وبنودها ومندرجاتها.
18ـ إعادة النظر بسياسات الطاقة والنقل ودعم وتطوير وتحديث النقل العام والتخفيف من الاعتماد على السيارات الخاصة التي سرعان ما تتحوّل الى هياكل ونفايات.
19ـ إعادة توجيه البحث العلمي والتقني لتحقيق أهداف هذه الاستراتيجية وهذه الخطط.
20 ـ إعادة النظر بالبرامج التعليمية والمناهج لتحقيق هذه الاهداف.
21ـ ترجمة هذه الخطط إعلامياً، عبر النشرات والبيانات ودعم الإنتاج الإعلامي والفكري ذي الصلة.
الوزير الضحية
لم يكن التركيز على استقالة وزير البيئة محمد المشنوق في بيان الحراك المدني موفقاً، لناحية المساهمة في حل الأزمة. فالمتابعون لتطور هذا الملف منذ نهاية الحرب الأهلية، يعرفون أنه في غاية التعقيد وأنه لم يكن لوزارة البيئة تاريخياً الأدوار المتقدمة في معالجة أي ملف وبينها ملف النفايات. وقد بالغت بعض الجمعيات بتحميل المسؤولية لوزير البيئة (لأسباب بعضها شخصية ربما). صحيح أنه لم يسمع جيداً للآراء كافة، وقد تناول هذا الملف من آخره بدلاً من أن يتناوله من أوله، أي البحث أين تطمر المتبقيات، بدلاً من البحث كيف يمكن التخفيف من النفايات وتصنيفها وفرزها أولاً... إلا أنه كان يراهن على تعاون الكثير من الأطراف السياسية المشاركة معه في الحكومة التي خذلته جميعها، كما قال لـ «السفير» أمس، إثر إعلان بيانه بالانسحاب من اللجنة الوزارية المكلّفة بملف النفايات. فالمشنوق عبّر أكثر من مرة عن أسفه لعدم تعاون القوى السياسية في إيجاد مطامر في المناطق الـ6 التي تمّ تقسيمها بناء على توصياتهم هم كقوى سياسية منتخَبة وممثلة في البرلمان والحكومة. ويمكن أن تكون مشكلته أيضاً أنه راهن على الكثير من الوعود والتطمينات التي تلقاها من القوى السياسية بدلاً من المراهنة على ما راكمته الوزارة من ملفات ولاسيما مشاريع قوانين لإدارة هذا الملف.
وهنا بالمناسبة يُطرح السؤال التالي: مَن يمكن أن يحل مكان وزير البيئة في ملف النفايات؟ فوزارة البيئة صرفت الكثير من المال والجهد لتقديم اقتراحات وخطط وبينها مشروع قانون لإدارة النفايات لم يُناقَش كما يجب، وكان يُفترَض أن تتم الاستعانة به اليوم لتحديد دور الوزارات المعنية والبلديات. وكان يمكن تعديله أيضاً ليتماشى مع مقترحات استراتيجية أساسية افتقرت إليها الوزارة تاريخياً. أما أن يُترك هذا الملف لوزارات أخرى، فأمر فيه مغامرة جديدة، لا إذا كان المطلوب إدارة للكوارث وليس للبيئة.
وفيما كلف رئيس الحكومة تمام سلام وزير الزراعة أكرم شهيب برئاسة لجنة النفايات الوزارية بدلاً من الوزير محمد المشنوق، أرجأت لجنة البيئة النيابية اجتماعها الذي كان مقرراً أمس لبحث أزمة النفايات، بدلاً من أن تجعل اجتماعاتها مفتوحة منذ بداية الأزمة!
ولاحقاً، صدر عن المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء تمام سلام بيان، قال فيه: «في ضوء ما آلت اليه مشكلة النفايات، وسعياً منه لإيجاد مقاربة جديدة وفاعلة يكون من شأنها إيجاد حلول سريعة لهذه الأزمة الوطنية الكبرى التي تتخبّط فيها البلاد، قرّر رئيس مجلس الوزراء تمام سلام ما يلي:
أولاً: تكليف وزير الزراعة أكرم شهيب ترؤس لجنة من الخبراء وأصحاب الاختصاص، تكون مهمتها النظر في الملف واقتراح مخارج وحلول فورية للأزمة، تأخذ في الاعتبار التوجّه الذي عبّر عنه مجلس الوزراء في جلسته الأخيرة إضافة الى أية أفكار مفيدة أخرى.
ثانياً: تبدأ هذه اللجنة فوراً اجتماعات مفتوحة، وترفع نتائج عملها إلى الرئيس تمام سلام في أسرع وقت».
كما كان لافتاً أمس اجتماع وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق مع وفد من مشايخ دائرة أوقاف عكار برئاسة رئيس الدائرة الشيخ مالك جديدة للبحث في ملف النفايات، على ضوء الاقتراح باستخدام مكبّ سرار في عكار كمطمر.
معايير الطمر والكلفة
على أي أساس يفترض تقييم تقنيات وأسعار الطمر؟ هو السؤال الذي يطرح نفسه عندما نفاضل بين العروض أو بين المشاريع المنجزة في المناطق او تلك المقترح على البلديات إنجازها وبعد أن نجيب على سؤال: ماذا نريد ان نطمر؟ فطمر المتبقيات بعد الفرز وفصل المواد العضوية وتلك القابلة لإعادة التصنيع عنها شيء؛ وطمر العوادم فقط شيء آخر. وطمر كل شيء، خيار ثالث مختلف تماماً. والطمر مع شروط قاسية شيء ومن دون شروط ومواصفات شيء مختلف تماماً.
انطلاقاً من ذلك يمكن لأسعار الطمر أن تتراوح بين 20$ للطن كما في بعض المناطق اذ يتم الاعتماد على المكبات وليس على المطامر، وبين أن تصل الى ما يتجاوز الـ40$ للطن، اذا ما تم الالتزام بشروط ومواصفات فنية محددة، من دون أن تشمل عملية الطمر كلفة نقل المخلفات الناتجة عن معامل أو مراكز الفرز الى المطامر الصحية.
يمكن أن تشمل أسعار الطمر الفني كلفة تصميم وتجهيز وتشغيل المطامر وبينها: إنشاء وتجهيز الطرق الخارجية المؤدية إلى مواقع المطمر الصحي وتجهيز مواقع الطمر الصحي بما في ذلك تجهيز خلايا المطمر وإنشاء وتجهيز المباني والورش المساندة على الموقع. بالإضافة الى تأمين المعدات والآليات اللازمة لحسن سير واستمرارية العمل والتي تشمل جميع أنواع الشاحنات والسيارات المتعلقة بنقل البالات والعوادم من مراكز المعالجة الى المطمر وكذلك جميع معدات الطمر من الجرافات والشاحنات والمحادل اللازمة لتشغيل وصيانة المطمر (على أن يتحمّل المتعهد مصاريف الصيانة طيلة فترة العقد). بالإضافة الى تشغيل وصيانة أسطول النقل وتأمين العناصر البشرية والإدارية والفنية وقطع الغيار.
بالإضافة إلى الأشغال الإنشائية في المطمر من حفر وردم وإنشاء قنوات لتصريف مياه الأمطار وطبقة عازلة لمنع تسرّب عصارة النفايات الى المياه الجوفية وشبكة لجمعها ومعالجتها. بالإضافة الى شبكة وأنابيب لجمع الغازات المنبعثة وحرقها، أو توليد الطاقة منها. بالإضافة الى إنشاء آبار ضمن حرم المطمر لإجراء الفحوص المخبرية الدورية وأخذ العينات والتأكد من سلامة المياه الجوفية.
وكلما جرى تحسين هذه العمليات والالتزام بها، ارتفعت الكلفة أكثر وأكثر مع إمكانية أن تُضاف اليها كلفة المراقبة لحسن التنفيذ.
الرهان على البلديات!
ضجت الساحات مؤخراً بالآراء حول ترك إدارة النفايات للبلديات بعد أن تستعيد هذه الأخيرة مستحقاتها. وهو موضوع سبق أن تمت مناقشته طوال عشرين سنة في أكثر من مئة ورشة عمل رسمية وأهلية او مشتركة بين الأطراف كافة. وكانت هذه الورش تخلص إلى القول، إن مشاريع الجمعيات والبلديات في معالجة نفاياتها عبر الفرز من المصدر، وإنشاء معامل صغيرة مهما كانت تقنياتها، ما هي إلا تجارب نموذجية يتم اقتراحها على الدولة لتغيير سياساتها وتشجيعها على تبني سياسات مختلفة تقوم على التخفيف والفرز، إلا أن كل التجارب كانت تدلّ أن لا بديل عن الدولة وقراراتها وخططها المركزية. ولم تكن معظم هذه التجارب ناجحة في العمق. فمشروع معمل اتحاد بلديات صور بحسب تقارير وزارة البيئة وإن كان يتقاضى 20$ على الطن لا يعمل جيداً ولا يزال يستعين بمكب راس العين لإخفاء فشله. وكذلك الأمر بالنسبة لمعامل زحله التي تفتقد إلى أنظمة معالجة الغازات المنبعثة منه والعصارة (المكلفة) وكذلك الأمر في طرابلس الذي يستعين بالمكب، ومعمل صيدا الذي يستعين بالمكب أيضاً وايضاً. ولو كانت الأمور بهذه السهولة لما أصبح في لبنان أكثر من ألف مكب.
مشروع القانون الذي اقترحته وزارة البيئة والذي لم تتم مناقشته في مجلس النواب بعد أن كان يُقترح أن تقوم البلديات بالجمع وان تؤمن الدولة المعالجة. كما كان يشجع البلديات على الفرز والاستفادة من عائدات المواد المعاد تصنيعها. وكان يمكن البداية منه وترجمته بإجراءات أخرى كالتخفيف عبر الضرائب واستباق الازمة. الا ان تقصيراً حصل على كل المستويات. كما تسأل مصادر بيئية اليوم الذين يراهنون على البلديات او اتحاد البلديات بعد ان لعنوا الطبقة السياسية الفاشلة: أليست البلديات في مجملها صورة مصغرة عن الاحزاب السياسية الفاشلة والعاجزة في القضايا الحياتية. أليست هي نفسها ممثلة أيضاً في البلديات في مجملها؟