مضايا: إنحدارات لبنانية - ساطع نور الدين (المدن)
حصار مضايا هو بلا جدال شأن داخلي لبناني اكثر مما هو استثناء سوري. المؤكد أنه دشن تمريناً جديداً على تبادل الأحقاد والكراهيات السنية الشيعية، في واحدة من أخطر مظاهر الفتنة المذهبية اللبنانية، التي لا تزال، لحسن الحظ، تعتبر ان سوريا عنوانها ومبررها الرئيسي. وحسب علم النفس، فانها ظاهرة صحية لبنانية، تطلق المشاعر المكبوتة وتحدد أصحابها وتعريهم وتردهم الى أصولهم وهوياتهم المذهبية الموروثة، التي باتت عنواناً للمجاهرة وحتى المفاخرة بمواقف هذيانية، لم يعد كثيرون يجدون حرجاً في تحويلها الى مادة للنقاش العام، مع انها ثقافة ولغة وصور معتوهين او متخلفين عقلياً أو أولاد شوارع. مضايا ليست حالة سورية خاصة. سيرة الحرب في سوريا لم تكن سوى فصول متلاحقة من عمليات حصار المدن والبلدات والقرى والتنكيل بسكانها المدنيين وتجويعهم من أجل إجبار الثوار من بينهم على الاستسلام. والخريطة السورية حافلة بالبلدات والاحياء التي سلمت او هادنت تحت وطأة الحصار والجوع، وإكتشفت ان الشكل الحالي من الصراع مع النظام ليس الأنسب ولا الأجدى، بل الأسوأ على الاطلاق، لانه كان ولا يزال السبب الرئيسي لسقوط هذا العدد المخيف من القتلى والجرحى السوريين، ولتشتت هذه الجموع المليونية في بقاع الارض قاطبة. ولعل عدم تحويل حصار مضايا وغيرها من المدن والبلدات السورية المطوقة من قبل قوات النظام وحلفائه، او من قبل فصائل المعارضة، الى حافز للبحث في ابتكار أساليب جديدة للصراع تحيّد المدنيين وأماكن سكنهم قدر المستطاع، بدلا من استدراج النظام وحلفائه الكثر، وآخرهم الروس لجعلها أرضاً محروقة وغير صالحة للسكن، هو أحد أهم وأكبر مآزق تلك الحرب وطرقها المسدودة على طرفيها وعلى جميع المتورطين فيها…وإن كانت بورصة الدم تضيف هذه الايام رصيداً جديداً في حساب النظام، بحيث تبدو معها فرصة التوصل الى وقف شامل لاطلاق النار خيالاً بعيداً، ويصبح معها خيار التوصل الى هدنٍ موضعية طموحاً واقعياً، يخفف من الاكلاف الانسانية والاخلاقية على الجميع. وهي معضلة سورية لا يمكن تجاهلها مع اقتراب موعد التفاوض في جنيف بين الفرقاء السوريين، ومع تزايد الضغوط على المعارضة السورية لكي تلتحق بقاعة المفاوضات من دون مطالبها الدنيا المتواضعة وأهمها تخفيف الحملة الجوية والصاروخية للنظام وللروس، وفك الحصارات الخانقة على المدنيين في اكثر من بقعة سورية، وإطلاق جزء من المعتقلين والمعتقلات.. حصار مضايا بهذا المعنى هو تفصيل سوري صغير في تلك اللوحة الدموية، لكنه في المقابل مرتكز رئيسي للمشهد اللبناني الذي إستعاد في الايام القليلة الماضية الكثير من العناوين الجوهرية للصراع الاهلي، السني الشيعي تحديداً، بحيث بدت تداعيات التوتر السعودي الايراني هامشية بالمقارنة مع الخلاف الرئيسي حول سوريا، والذي لم يكن يوما يقبع خارج الحدود او يلتزم بها. عدا عن انحطاط المشاعر والغرائز والعصبيات اللبنانية، فان مضايا استدعت حزب الله الى الاعلان الصريح والرسمي، الاول من نوعه، انه يحاصر وحده تلك البلدة، رداً على حصار بلدتي الفوعة وكفريا. المعروف ان الحزب كان وربما لا يزال شريكاً في حصار الكثير من المدن والبلدات السورية وحتى المخيمات الفلسطينية. لكنه كان على الدوام ينكر، وأحيانا يدين مبدأ الحصار، وينسبه الى طرفي الصراع السوري. هذه المرة أعلن مسؤوليته، وقرر تحمل التبعات التي يعرفها السوريون جميعا، ويجهلها اللبنانيون بمعظمهم، او يميلون الى تجاهلها. الحرب السورية قذرة، أيا كانت وجهة النظر إليها. تورط حزب الله فيها لم يكن بالأمر او الإملاء الخارجي الايراني. الحافز المذهبي كان ولا يزال قوياً جداً. هذا على الاقل ما تكشفه طبيعة الجدل اللبناني حول حصار مضايا، والذي وصل الى حد الجنون، ما دفع بعض الحالمين إلى تجديد المطالبة بخروج الحزب من سوريا.. في الوقت الذي يعلن عن إنخراط جديد، وإنحدار إضافي، لا يقل خطورة عن الإنحدارات التي بلغها جمهوره. التعبير عن المشاعر مفيدٌ نفسياً، لكنه مرعبٌ سياسياً وأمنياً وإجتماعياً… - See more at: http://www.almodon.com/opinion/2016/1/10/%D9%85%D8%B6%D8%A7%D9%8A%D8%A7-%D8%A5%D9%86%D8%AD%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9#sthash.Wp11UEkt.dpuf