استعادة الثق - حبيب معلوف (السفير)
هل سندع نفاياتنا تعبر البحار وتلحق بنا لعنة شعوب أخرى بعد أن لعنتنا... أم نعود الى صوابنا في اللحظة الأخيرة؟ هل نستطيع إنقاذ أنفسنا والعودة الى رشدنا وعقلنا من حفلة الجنون في اللحظة الأخيرة؟
بغضّ النظر عن الوجهة التي سترحل إليها نفاياتنا، فإن الكلفة المعترف بها (200$ للطن) عالية جداً، اذا كان الترحيل الى بلاد لا تحترم القوانين والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وبالتالي إذا كانت عملية الشحن ستحصل بشكل غير شرعي. اما اذا كان النقل شرعياً، وتمّ نقل النفايات الى بلدان تحترم الاتفاقيات الدولية، لاسيما اتفاقية بازل، فإن الكلفة ستكون أكبر، لاسيما في دول ستقوم بمعالجة تحترم المعايير المتفق عليها عالمياً.
هل أصبحنا فجأة أغنياء ومرفَّهين حتى ننفق كل هذا المال المضاعف للتخلص من نفاياتنا المنزلية؟ مَن يصدقنا بعد اليوم من الدول المسماة «مانحة» أننا نحتاج الى مساعدات؟! ثم كيف يمكن للحكومة وما بقي منها أن تُقدم على إجراء كهذا، وهي غارقة في الديون؟ وكيف ستقبل الشعوب اللبنانية بهذا الخيار اللا أخلاقي والمكلف؟
كيف سيتم نقل الحاويات؟ وهل قبلت فعلاً نقابة موظفي وعمال مرفأ بيروت بتخصيص رصيف دائم لنقل النفايات، بعد أن رفضت سابقاً مجرد اختيار موقع قريب من المرفأ للتجميع المؤقت قبيل بداية الأزمة؟! يقال إن خطة الترحيل في مراحلها الأخيرة، ولكن من يضمن استمرارها (إذا انطلقت)؟ مَن يضمن أن لا ترفضها الدولة «المستضيفة» بعد أن تحصل فيها اعتراضات شعبية (إذا وافقت حكومة الدولة)، كما حصل في سيراليون مؤخراً؟
مَن سيراقب هذه العملية ومدى قانونيتها والتزامها بالمعاهدات الدولية؟ مع العلم أن برنامج الأمم المتحدة للبيئة (اليونيب) سبق أن أبلغ رئيس الحكومة اللبنانية ووزير الزراعة في رسالته الأخيرة في 7/1/2016، عن استعداده للمساعدة و «تحضير الوثائق اللازمة لإجراء المناقصات لتصدير النفايات وفقاً للمعايير البيئية الدولية والمعاهدات ذات الصلة. وقد قام الفريق ببعض الاتصالات الدولية لتحديد البلدان المرشحة لاستضافة النفايات وكلفة تصديرها». ولا نعرف إذا كان هذا الاقتراح لا يزال نافعاً بعد أن تمّ توقيع العقود مع الشركات وتمّ دفع الكفالات وإمكانية انتهاء الاستعدادات قبل أن يصل وفد «اليونيب» في 8/2/2016 كما ورد في رسالته؟! مع الإشارة أيضاً الى نصائح «اليونيب» السابقة وتفضيله معالجة النفايات في لبنان وعدم ترحيلها، بالإضافة الى تأكيده ضرورة إيجاد حل متكامل وشامل ينتهي بوضع استراتيجية متكاملة لإدارة النفايات، كما كنا نطالب منذ فترة طويلة.
بعد عرض كل هذه العراقيل والتحذيرات والمخاطر، ما الذي يمكن فعله إذا أردنا التراجع عن هذا الخيار الجنوني بالمعايير كلها، والاقتناع بأن لا مفر من إيجاد الحلول محلياً ووطنياً بدلاً من ترحيلها خارج الحدود؟ أي خطة يجب أن نتّبع؟ وهل لا يزال أمامنا وقت؟ هل لا يزال ممكناً في لبنان وضع الاستراتيجيات والخطط والتشريعات والقوانين واحترامها؟ هل لا تزال ممكنة استعادة ثقة الناس بالدولة الغائبة؟
لعل في الجواب على السؤال الأخير بيت القصيد لحل مشكلة النفايات وطنياً؟ فما الذي يجب فعله لاستعادة الثقة المفقودة؟ هل يمكننا مع القيادات والقوى السياسية الموجودة إيجاد الحلول أم علينا انتظار حصول ثورة ما؟ أم علينا انتظار ظهور قوى جديدة من المجتمع المدني، وازنة ولديها رؤية شاملة برامج إنقاذية محايدة مناطقياً وسياسياً ومذهبياً ومصلحياً... ملتزمة بيئياً، وتستطيع أن تقدّم الاستراتيجيات والحلول المقنعة للشعب اللبناني وتعيد بناء الثقة المفقودة مع الناس ومع أركان السلطة وبينها، مرحلياً على الأقل؟