وداع"الاستاذ"..لا المعلم - ساطع نور الدين (المدن)
ليس من السهل أن تكتب مودعاً كاتباً قرأت له كل حرف، حتى ما نشر باللغة اليابانية، وحفظت له أكثر من حرف، حتى ما كتب بالهيروغليفية، وأختلفت معه في حروف كثيرة لا سيما تلك التي كتبها في سنواته الاخيرة..وإستدعت مراجعة شاملة لتجربة “الاستاذ”، الذي طال أمد بقائه خارج النقد. من الصعب إنكار الشعور السابق بالغيرة والحسد، المترافق مع طموح بالانتساب الى تلك المدرسة، ولو عن بعد، وإستعارة بعض مظاهرها الفاخرة، وإستعادة بعض نماذجها الاولى، قبل ان يتم الاكتشاف بان “الاستاذ” ليس أسطورة، ولا يمكن ان يكون معلماً، خصوصاً وانه ينتمي الى جيل قديم جدا، يتصل بالقرن التاسع عشر، ويتوقف عند منتصف القرن العشرين، عند التجربة الناصرية التي لم تكن يوماً باهرة لجيل يساري كامل، وينتهي عند الثورة الخمينية التي كانت سقطته الكبرى، وظل يعاندها حتى أيامه الاخيرة..برغم انها كانت ولا تزال، حسب قراءة يسارية مبسطة، بوابة الجحيم الاسلامي المعاصر. في تلك الفترة، زار“الاستاذ” طهران، موفداً دولياً لاقناع الخميني باطلاق سراح الرهائن الاميركيين فتلقى إهانة شهيرة، رد عليها بكتابه الأشهر “مدافع آية الله” الذي توقع فيه إنقلاب العسكر الايراني على رجال الدين. فحصل العكس تماما، إذ جرى تفكيك الجيش الايراني وتأسيس جيش بديل هو الحرس الثوري الذي ارتدى ضباطه العمائم وبدلات رجال المال والاعمال، وتقلدوا نياشين الحكم. منذ ذلك الحين، عاكست الرياح مركب “الاستاذ”، حتى بدا ان الطبيعة، او طبائع الامور، كما كان يحلو له القول، كانت تتحداه وحده، وتثبت مع كل رحلة من رحلاته أنه فقد مهارته في الإبحار بين العواصم والتجوال على الزعماء والملوك والرؤساء، الذين كانوا يقولون له شيئاً ويفعلون شيئاً آخر.. ربما لكي يحطموا صورته السابقة. هكذا شكّ بعض الزملاء. لكن الاستاذ أبى أن يتنحى، او ان يلتزم بطلب الإنصراف الذي قدمه غير مرة وتراجع عنه مرات. وظل يردد ان العالم الذي عرفه العرب يتغير بطريقة دراماتيكية، رافضاً الاعتراف بان العرب هم الذين يتغيرون، ويتململون، ويغادرون الحدود السياسية التي رسمت لهم في مطلع القرن الماضي، والتي حافظ "الاستاذ" على وفائه لها، وعدّ اي محاولة لتعديلها وتحديثها، مؤامرة ليس إلا. حتى اللحظة الاخيرة كان يعتقد أن الصراع مع العدو الاسرائيلي هو علاج شافٍ لأمراض الأمة كافة، وعيوب الاوطان كلها..مع ان الانفجارات التي تهز المجتمعات العربية باسرها هي وليدة تلك الوصفة، ونتيجة خوض ذلك الصراع باساليب ملتوية او مخادعة او إستعراضية، ما أسفر عن سلسلة لامتناهية من الهزائم القاسية التي تكاد اليوم تنهي وجود الشعب الفلسطيني نفسه. كان ذلك الصراع هو محور تفكير“الاستاذ” وتحليله، الذي يرسي عقيدة قومية غريبة، أطلقها الناصريون وطورها البعثيون، تعبر عن العشق الشديد لفلسطين والقدس بل وحتى المسجد الاقصى، لكنها تكره الشعب الفلسطيني وقياداته ومنظماته وتحتقر سياساته وبرامجه وخياراته، وتعتبر بقاءه، ولو لفترة موقتة، على قيد الحياة ذلاً وعاراً للأمة كلها، وترى ان توسله الالتحاق بالقاهرة او دمشق او بغداد او حتى عمان هو الخيار المنطقي الوحيد. ولولا أحكام الجغرافيا لكانت نصيحته الى الفلسطينيين هي الترحال الى إيران التي ظل حتى الرمق الاخير يعيب الخوف منها ويدعو الى التعاون معها، مع انها هي التي رفضت التعاون، وقررت عن سابق تصور وتصميم ان تنتقم من العرب والعروبة وان تخترق بالقوة العراق وسوريا ولبنان واليمن وتستخدم تلك البلدان كأوراق مساومة مع الغرب،ومناطق نفوذ وتأثير مع العالم الاسلامي. كان يمكن مجادلة “الاستاذ” في خطأ ذلك التقدير لإيران، الذي كرره قبل اسابيع على إحدى الشاشات المصرية، والذي ما زال يشكل جزءاً من العقيدة الدبلوماسية المصرية، مع ما يعنيه ذلك من تسامح مع الانتهاك الايراني للاجتماع العراقي، مع التحدي الايراني للغالبية العربية في سوريا، ومع الاستفزاز الايراني الشديد في اليمن.. وهو ما يخالف طبائع الامور وحقائق التاريخ وأحكام الجغرافيا التي يتقنها "الاستاذ"! كان خطأ “الاستاذ” شديداً، لكنه ليس من نوع الاخطاء التي إرتكبها في سنواته الاخيرة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر قوله أن المتطرفين الصرب هم الذين نفذوا هجمات 11أيلول سبتمبر 2001 على نيويورك وواشنطن، او أن أميركا ليست جاهزة لانتخاب رئيس أسود، او أن روسيا مرشحة لتصبح يابان أوروبا..أو ان الربيع العربي هو نهاية حقبة ما بعد الاستعمار الاوروبي، وبداية عصر الحداثة العربية.. قبل ان ينقلب “الاستاذ”على شباب ذلك الربيع، ويعود الى سابق عهده، مرشداً روحياً للمؤسسة العسكرية والامنية التي تسحقهم اليوم. لكن، وكما عاكسته الاقدار في جميع تقديراته الاخيرة، يتوقع أن يخيب تقييمه بان الرئيس السوري بشار الاسد هو أفضل الزعماء العرب(هكذا بالحرف). فقد إرتبط "الاستاذ"بعلاقة عاطفية معقدة، مع ذلك النظام، تعود الى مطلع السبعينات، فأباح له ان يحطم المقاومة الفلسطينية، ويدمر اليسار اللبناني، بل ويهدم الكيان اللبناني الذي كان “الاستاذ” بلا شك يحبه على طريقة حبه لفلسطين.. ويبرر كل الاخطاء التي ارتكبها العرب بحقه وبحق شعبه، الذي لا يستحق ان يكون غير كبش فداء للأمة كلها. كان محمد حسنين هيكل “استاذاً” كبيراً، لكنه لم يكن معلماً أبداً. - See more at: http://www.almodon.com/opinion/2016/2/17/%D9%81%D9%8A-%D9%88%D8%AF%D8%A7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D8%B0-%D9%84%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%84%D9%85#sthash.cRazUhbI.dpuf