إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

تحضيرات لتشكيل حراك بيئي أكثر شمولًا وتنظيماً - حبيب معلوف (السفير)

 في وقت كانت الأنظار في لبنان تترقب كيفية إقرار ما بقي من صورة «حكومة» لخطة طوارئ جديدة لرفع النفايات من الشوارع، بعد مرور ما يقارب الـ20 سنة على خطة الطوارئ التي وضعت العام 1997، وكأننا لا نزال في مرحلة ما قبل بناء الدولة... كان ما يقارب الـ50 شابا وشابة (من المهتمين الذين شاركوا ولم يشاركوا في الحراك المدني الأخير دفاعا عن قضايا البيئة بشكل عام وقضية النفايات بشكل طارئ) يجتمعون مع مخضرمين من البيئيين في لبنان وحزب البيئة (الذي علق أعماله في السنوات الأخيرة) ليوم كامل للجواب على سؤال «الحراك البيئي المدني في لبنان الى اين؟» ولمناقشة إمكانية ان يكون للحراك خلفية فكرية ومبادئ ولغة جديدة وعميقة تعبر عن جذور المشاكل البيئية التي لا تبتعد ابدا عن المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية المعروفة.
لم تقارب حلقة التفكير موضوع النفايات، لناحية العاملين في هذا القطاع، بعكس كل ما يقال ويكتب عن الموضوع مؤخرا، بل من ناحية النظام الاقتصادي المنتج للنفايات والذي يفترض تعديله او وضع ضوابط قاسية على انتاجه. فالمشكلة أساسا ليست في كلفة معالجة النفايات ولا في التقنيات والصراع حولها، كما تم إظهاره مؤخرا، المشكلة في الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المولدة لها، وهي التي يفترض التركيز على نقدها وتغييرها. وعندها يصبح السؤال من الذي سيقوم بهذه المهمة وبأي اتجاه وضمن أية رؤية؟
هذا ما ناقشته هذه المجموعة، بالإضافة الى الإشكاليات التاريخية التي حالت دون ان تكون هناك حركة جامعة ولديها خلفية فكرية قوية وعميقة وإطار تنظيمي مرن، يسمح بتبلور مبادئ وبرامج حلول لمختلف القضايا، على طريقة الأحزاب الحديثة. واذ اجمع معظم المشاركين حول ضرورة بلورة خلفية فكرية لحركة بيئية عاقلة وفاعلة في لبنان، تعددت الآراء حول الإطار التنظيمي الذي سيحمل هذه التجربة الجديدة، وبينها ان تتم إعادة إحياء «حزب البيئة اللبناني» مع حفظ دور الجمعيات العاملة حاليا، او ان يتم خلق إطار جديد ترك أمر التفكير به للجنة موسعة تم تشكيلها، على ان تعرض حصيلة الاجتماع والمبادئ التي طرحت على أوسع شريحة من المهتمين المقتنعين بضرورة تعميق عمل الحراك البيئي المدني في لبنان ودخوله في صياغة الخلفية الفكرية والسياسات والبرامج، وتشكيل قوة مدنية وازنة ثالثة، توازن بين القطاع الرسمــي والقطاع الخاص. فما هي ابرز الخلفيات التي تمت مناقشتها في هذا الاجتماع؟
انطلقت فكرة ضرورة بلورة خلفية فكرية وإطار تنظيمي لحركة بيئية فاعلة من أزمة إدارة نفايات لبنان المنزلية، وعندما نشأ في ساحاته «حراك مدني» رافض ومعترض على الحالة التي وصلت اليها البلاد في ظل فشل سياسي وحكومي ووزاري شامل، وبعد أن تراكمت النفايات في الشوارع وهددت البيئة والصحة العامة. وقد لاحظ البعض أن هذا الحراك ضاع في كيفية رفع الشعارات والأولويات وطرح المطالب المدروسة والبدائل... وظهر عفويا وصادقا، على الغالب، ولكن لا يحمل صفة التنظيم والاستدامة، لأنه لم يكن منظما أصلا، ولا يحمل خلفية فكرية واضحة المعالم، تمت مناقشتها مع المعنيين والمهتمين أولا، وفتحها للنقاش على الإعلام وأمام أي فرد او مجموعة.
كما وقعت فوضى لا مثيل لها في كيفية تصنيف الخبراء وفي اقتراح الحلول او رفضها وكيفية تبني التكنولوجيات وادعاء تمثيل رأي البيئيين، أو رأي قوى المجتمع المدني المهتم، مما انعكس إرباكا في كيفية تعاطي الآخرين مع البيئيين أولا، وفي كيفية التعاطي مع القضايا البيئية عامة وقضية النفايات خاصة. مع العلم ان الرأي العام لا يميز بين جمعية وأخرى او بين مجموعة وأخرى او بين بيئي وآخر او بين خبير وآخر... وان مسؤولية التنظيم والخروج برأي قوي وشبه وحيد هي مسؤولية الجميع (الذين يعملون تحت عنوان «حماية البيئة»). كما هي الحال مع مسؤولية مدى فعالية الحركة البيئية التي يفترض ان تكون أقوى وافعل كلما كانت جامعة ومتعمقة في كيفية طرح الأفكار والمطالب والبدائل.

الإستراتيجية أولا
لقد تأكد المتعمقون والباحثون عن حلول طارئة وبعيدة المدى، انه لا مفر من ان تكون هناك إستراتيجية شاملة لإدارة النفايات تنجم عنها تشريعات وقوانين وسياسات ومراسيم تنظيمية للإدارة المتكاملة والشاملة والعادلة والمستدامة... وان هذه الإستراتيجية، يفترض ان تكون جزءا من إستراتيجية بيئية اشمل، تأخذ بالاعتبار كيفية التوفيق بين أفكار ومشاريع التنمية وفكرة او مبدأ الاستدامة.
كما تم التأكيد، أن هناك حاجة لمن يحمل هذه الإستراتيجية ويناضل من اجل ان تصبح إستراتيجية الدولة... ومن يناضل لتحقيق هذه الأهداف، ان تكون له خلفية فكرية شبه متكاملة تدمج بين مختلف القضايا ذات الصلة وبرامج تتم صياغتها لاحقا، على ان تحملها حركة بيئية منظمة، تدرس مواضيعها وتفرز ممثلين عنها يمكن ان يشاركوا في إنتاج الأفكار والبرامج والسياسات بموازاة مشاريع الدولة والقطاع الخاص... وان يصنعوا أي حراك مستقبلي من اجل تحقيق الأهداف.
لذلك تداول بعض البيئيين المخضرمين حول ضرورة عقد حلقات فكرية وتنظيمية من اجل تحقيق الآتي:
ـ صوغ مقترحات لخلفية فكرية متكاملة للحركة البيئية او الحراك المدني.
ـ عقد مؤتمر وطني عام لمناقشتها وتبنيها.
ـ وضع برامج عمل لتحقيقها.
ـ وضع إطار تنظيمي مرن لحملها والمساهمة في ترجمتها.
ـ على ان يدعى إلى هذه الحلقات (الورش) كل البيئيين المعنيين و «الملتزمين» تاريخيا وحديثا بالقضية البيئية.

صعوبات إنتاج الخلفية
اعترف المنظمون ان مهام إنتاج «خلفية فكرية» تنطوي على صعوبات كبيرة. فهي بقدر ما تبدو ضرورية، بقدر ما يمكن ان يعتبرها البعض مكبلة او مثقلة لحراك او لحركة او لحزب.
وقد خلص المجتمعون إلى الاستنتاج ان الصعوبة الأولى التي اعترضت (تاريخيا) ويمكن ان تعترض إنتاج خلفية فكرية شاملة تنتج استراتيجية تشمل مقاربة كل المواضيع البيئية وذات الصلة هي:
ـ طبيعة المهمة بحد ذاتها التي تحتاج الى الكثير من الجهد والتفرغ والاختصاص.
ـ الإشاعات والادعاءات حول الاستقلالية والحرية التي أطلقها الفكر الليبرالي المتحرر من كل رقابة مالية او إدارية او معنوية او بيئية.
ـ الانتكاسات التي تعرضت لها الأفكار الايديولوجية.
ـ ممانعة الكثير من الأنظمة السياسية والحزبية والفكرية والاقتصادية والتربوية والطائفية المسيطرة.
ـ تعددية الجمعيات وتوزعها من حيث الجغرافيا او الاختصاص وعدم تعاونها في ما بينها غالبا من اجل التكامل، وعدم احترام اعمال وخبرات بعضها البعض.
ـ تنوع مصادر تمويل الجمعيات الخارجية والمحلية (والتي بينها ملوثون) ... الذي تسبب بانتفاء وجود مصلحة في النضال الشمولي الذي يتطلب اتخاذ مواقف من كل القضايا.
ـ كلما كانت المبادئ أقرب الى الكمال والشمول كلما أصبح تطبيقها والوفاء بتحقيقها أصعب.
ـ شمولية المبادئ تتطلب شمولية في الأهداف وبالتالي يصعب قياس مدى النجاح في تحققها، مما يمكن ان يتسبب بالشعور بالإحباط عند المناضلين لتحقيق الاهداف.
ـ الخوف والتردد من دمج النضال البيئي مع النضال السياسي، بسبب التشويش على الفكر السياسي والحزبي عامة.
ـ غياب وضمور العمل التطوعي.
ـ غياب الالتزام بالمبادئ او بمنح النضال البيئي الوقت اللازم للتفكير والعمل.
ـ إشكالية عدم وجود مجتمع مدني فعلا.
ـ ان الموضوع البيئي ليس أولوية في المجتمع وقد تقدمت عليه دائما المواضيع الأمنية والسياسية والاقتصادية والمعيشية.
ـ الإعلام غير المسؤول وهويته وملكيته من قوى سياسية لها مصالح اكبر من مصالح الدولة بالإضافة الى قوى السوق والقوى الاقتصادية الكبرى الممولة.
ـ مشكلة كثرة الخبراء وضياع المعايير.
ـ ضعف مفهوم المواطنية واستقلاليتها ومهماتها ومن بينها المحاسبة.

مواضيع لنقاش لاحق
اما المواضيع التي تم تأجيل النقاش بها لضيق الوقت:
ـ الإطار التنظيمي الأفضل والافعل.
ـ العلاقة مع باقي مكونات قوى المجتمع المدني ومنظماته.
ـ التقاطعات بين القضايا البيئية والقضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
ـ تقاطعات البيئة وفكرة الاستدامة مع مفاهيم التنمية ومع القطاعات الأساسية كالطاقة والمياه والغذاء... الخ.
ـ كيفية تحديد مفهوم السلطة والدور والعلاقة معها.
ـ العلاقة مع القطاع الخاص ومعايير التمويل.
ـ العلاقة مع المنظمات الدولية.
المسؤولية البيئية
بين المبادئ التي طرحت للنقاش والتي يفترض ان يتبناها الحراك البيئي وان يناضل لتعميمها وتبنيها من السلطات والمجتمع «مبدأ المسؤولية البيئية». والمسؤولية في القضية البيئية مسؤولية متعددة الأوجُه:
1 ـ مسؤولية أيِّ فرد تجاه نفسه وتجاه باقي الأفراد.
2 ـ مسؤولية الفرد تجاه باقي الكائنات التي يشترك معها في وحدة الوجود والمصير.
3 ـ فمن حق الإنسان الفرد ان يأخذ حاجاته (حقوقه) الضرورية للحياة والبقاء، على ان يحفظ «حقها» (الكائنات والموارد) في البقاء والتجدد أيضا.
4 ـ مسؤوليته تجاه الأجيال القادمة، حيث لا يستطيع ان يأخذ حقها أيضا في الحياة والوصول إلى الموارد، وأن يُلزِمَها بقراراته ويحمِّلها في المستقبل مسؤولية تصرفاته الحالية.

مبدأ الاستدامة
ـ اعتبر مفهوم «الاستدامة»، مركزيا في رؤية الحراك البيئي وخلفيته الفكرية.
ـ مهمته الأساسية، الترويج لسياسات محافظة، للعودة الى الوراء بدل تبني أفكار «التقدم» المزعومة التي لا تقود إلا إلى المزيد من التلوث والنفايات. بمعنى العودة الى التراث المحافظ والمتصالح أكثر مع الطبيعة. التراث المتفاعل والمنسجم أكثر مع الطبيعة والذي كان يجاريها بدل ان يتحداها كما مع بعض مشاريع هذا الزمن مثل الصناعات الكبيرة او إنشاء السدود وقطع طريق المياه التي يفترض أن «تجري» بطبيعتها.
ـ تبني سياسات تقوم على التوفير وحسن التدبير، والترويج لأفكار الحماية والاستدامة، وليس لأفكار التنمية والاستثمار.
ـ تبني سياسة محافظة، لا تعني المحافظة على مصالح السلطات التاريخية ولا على مصالح قوى السوق، ولا تعني أيضا المحافظة على مصالح قوى الأمر الواقع... بل المحافظة على مقومات الحياة وديمومة الموارد... ولو تطلب ذلك مواجهة قوى السوق وقوى الأمر الواقع الطائفية والمناطقية والرأسمالية... والشعبية أيضا.
ـ اعتبار مهمة الحركة البيــــئية هي مهمة اقتصادية بامتياز، وهي معنـــية بالدفـــاع عن مقومات الاقتصاد الحقيقي للبلاد. واعتبار مقومــــات اقتصاد بلد مثل لبنان طبيعته وموارد الطبـــيعة اللبنانية من ماء وهــــواء وتربة ومساحــــات خضراء وزرقاء، فـــوق الأرض وتحتها.

← العودة إلى مختارات