إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

تصديق اتفاقية المناخ.. غير الصادقة - حبيب معلوف (السفير)

 لم تكن كل هذه الضجة العالمية حول تصديق ممثلين عن أكثر من 170 دولة (بينها لبنان) على اتفاقية باريس المناخية في الأمم المتحدة بنيويورك الأسبوع الماضي في مكانها. فهذه الاتفاقية التي ابرمت في باريس (في الدورة الـ21 لمؤتمر الأطراف) منذ ما يقارب الأربعة أشهر والتي كان يفترض ان تهدف إلى خفض الانبعاثات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري على مستوى العالم، ليست ملزمة للدول ولن تؤدي الى خفض الانبعاثات وإنقاذ المناخ حتى لو تم تطبيقها! وليس ادل على انها «اتفاقية كاذبة»، او في اقل تقدير «شكلية» وغير ذي مفعول حقيقي، سوى هذا الاندفاع القياسي في عدد الدول للتوقيع عليها، في وقت لم تغير أي من الدول سياساتها الحقيقية المسببة لهذه الظاهرة!
فمن يعود الى تاريخ هذه القضية العالمية، الى العام 1992 تحديدا، تاريخ ابرام الاتفاقية الاطارية الام التي تضمنت تعهدات بخفض الانبعاثات المسببة لتغير المناخ، وحين صدقت عليها 195 دولة، يعرف كم هو سهل التوقيع على الاتفاقيات الشكلية والاحتفالات والضجيج، وكم هو صعب الالتزام والتطبيق.
فما الذي تغير منذ العام 1992، حتى نبتهج اليوم؟ لا بل كل ما حدث ويحدث منذ ذاك التاريخ يدعو الى المزيد من القلق. منذ ذاك التاريخ زاد اليقين العلمي حول مسؤولية الانسان عن تغير المناخ، كما زادت الانبعاثات بدل ان تنخفض ايضا!
يوم اقرت الاتفاقية الاطارية، كانت علّتها (كاتفاقية باريس اليوم)، انها غير تنفيذية وغير ملزمة. ولذلك تم تحضير بروتوكول كيوتو العام 1997 من اجل تطبيق هذه الاتفاقية، على ان يكون ملزما. وقد تراجعت الدول الاكثر تلويثا عن ابرام هذا البروتوكول كونه لا يضم الا البلدان الغنية... وقد ترك فرصة للبلدان النامية لكي تعود وتنضم اليه. فلا الدول الغنية طبقته ولا تلك النامية قبلت ان تنضم اليه. لا بل ان الولايات المتحدة الاميركية التي كانت تعتبر الملوث الاكبر آنذاك لم تبرمه، والصين التي ورثت هذا المنصب كملوث أكبر بعد العام 2007 لم تنضم اليه، وكندا انسحبت منه بعد ذلك، من دون ان يكون هناك أي اجراء في هذا البروتوكول او اي عقوبات. وقد ضاعت كل الفرص وكانت الحجة انه لا بد من اتفاقية عالمية تشمل كل دول العالم لكي تصطلح الامور وتتأمن «العدالة المناخية»!
صحيح ان اتفاق باريس يشمل كل دول العالم، الا انه غير ملزم لاحد. وقد ترك للدول ان تقدم كل منها ما تم تسميته «المساهمات المعتزمة»، أي ما تعتزم الدول القيام به لخفض الانبعاثات، من دون أي تدخل في تغيير السياسات المسببة بزيادة هذه الانبعاثات! مع العلم ان هناك زيادة في الاستثمار في الطاقة الاحفورية في كل أنحاء العالم، وفي البلدان النامية اكثر من البلدان المتقدمة، وان الهدف الذي اعلن في باريس بتخفيض درجات حرارة الأرض او وقفها لكي لا ترتفع اكثر من درجتين مئويتين، يتطلب ليس فقط التخفيف من الاعتماد على الوقود الاحفوري، بل ترك أكثر من 80% من الطاقة الاحفورية المكتشفة حتى الآن تحت الأرض! فهل هذا هو التوجه الحقيقي لدول العالم وبينها لبنان؟ بالطبع لا.
مما يدل ان اتفاقية باريس جاءت متراجعة كثيرا عن بروتوكول كيوتو الفاشل، وان كل الضجيج حولها، لا اساس علميا وعمليا وتطبيقيا له.
من ناحية اخرى، وبحسب التقرير التوليفي المتعلق بالأثر الإجمالي للمساهمات المعتزمة والمحددة وطنيا من الدول والمقدمة من الدول الأطراف في الاتفاقية في اول تشرين الأول العام 2015، فقد نظر الفريق العلمي للأمم المتحدة بقلق شديد الى هذه «المساهمات» المعلنة، معتبرا ان المستويات الاجمالية المقدرة لانبعاثات غازات الدفيئة في عامي 2025 و2030 الناجمة عن المساهمات المعتزمة والمحددة وطنيا، لا تقع ضمن سيناريوهات درجتين مئويتين، الأقل تكلفة، وانما تؤدي الى توقع مستوى قدره 55 جيغاطن في 2030! ملاحظين أيضا ان الوضع سيتطلب جهودا (مستحيلة بحسب اعتقادي) في مجال خفض الانبعاثات أكبر بكثير من الجهود المرتبطة بالمساهمات المعتزمة والمحددة وطنيا لإبقاء ارتفاع متوسط درجة الحرارة العالمية دون درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل العصر الصناعي.
انطلاقا من ذلك، ولأسباب اضافية كثيرة نؤجل التوسع فيها، علينا ان نبدأ بإجراءات التكيف مع تغير المناخ، وهي لن تكون اقل حدة وكلفة من اجراءات التخفيف من الانبعاثات. ويا ليت مع ذلك نسلم!

← العودة إلى مختارات