لسنا في 2004 ! - نبيل بو منصف (النهار)
برزت اتجاهات داخلية عقب تصاعد أزمة تطبيق الالتزامات المصرفية لقانون العقوبات الاميركية ضد " حزب الله " الى اسقاط مناخات صدور القرار 1559 الاممي في 2 أيلول 2004 على المرحلة اللبنانية الطالعة لجهة التماثل بين قرار دولي استهدف آنذاك خصوصا منع التمديد للرئيس أميل لحود وقرار اميركي يستهدف حاليا التضييق المالي على الحزب . تبدو هذه الاتجاهات مبررة من ناحية المخاوف التي أثارها خصوصا دخول عامل استهداف امني للقطاع المصرفي من خلال تفجير "بنك لبنان والمهجر " وضيق هامش التسوية بين المصارف والحزب حول قانون عابر للقارات . ومع ذلك يبدو ملحا لمصلحة نفاد لبنان من هذه الأزمة الخطيرة الإقلاع عن زيادة عوامل التوترات ما دام أي طرف لبناني لا يفوته ادراك جسامة أي تفلت لأزمة من هذه الطبيعة الشديدة التعقيد .
يمكن الجزم بداية ان الظروف الموضوعية الراهنة ، على قتامتها، لا تزال مختلفة عن واقع فرضه قسراً نظام الوصاية السوري قبيل صدور القرار 1559 وعقب صدوره، لان الفارق يبقى جوهريا بين سلطة وصاية خاضت مواجهة مع المجتمع الدولي بأسره على لبنان ومواجهة بين فريق داخلي يتمثل بـ"حزب الله" ودول كبرى كالولايات المتحدة. في الواقعة الاولى كان النظام السوري لا يزال متمكنا من الاختباء وراء واجهات داخلية في ممارسة الضغوط الترهيبية على اللبنانيين. اما في الواقعة الراهنة فليس هناك من أطراف داخليين كانت لهم اي يد او تأثير في صدور قرار العقوبات الاميركي على الحزب، بل ان أي مقارنة بين التجربتين لا تبدو لمصلحة الحزب تحديدا الذي مهما تعاظمت الخلافات بينه وبين خصومه لا مصلحة له في استعادة اي وجه من وجوه الشؤم الذي ضرب لبنان على ايدي النظام الذي يدفع شباب الحزب الان على ارض سوريا الثمن الافدح لانقاذه. ثم ومن دون أي تقليل لوطأة العقوبات، لا نود الاعتقاد بان نمط تسليط "التآمر" يستوي في أي مقاربة للحزب مع القطاع المصرفي كما في ملفات السياسة ما دامت الوقائع الصارمة تثبت ان حصار العقوبات لم يقم أصلا الا من منطلقات الصراع الاقليمي الواسع الذي ينخرط فيه الحزب دون هوادة. كما ان احدا لا يدرك ان خصوم الحزب في لبنان وفي مقدمهم تيار المستقبل نفسه لم يقطع شعرة الحوار معه، وان ما ينطبق في ساحات الصراع السياسي لا ينسحب بمثله ابدا على احد آخر الحصون التي تظلل آخر ما تبقى للبنانيين من عوامل الصمود أي القطاع المصرفي. وأخيرا لا تفوتنا ايضا ان البيئة الحاضنة للحزب هي كالبيئة الحاضنة لسائر اللبنانيين الذين اكتووا بنار الفقر والتهميش والكوارث، الامر الذي يوجب اولا وأخيرا الإقلاع نهائيا عن تجربة كل مجرب عبثي مشؤوم.