احتدامات إقليمية تبدّد موجة الرهانات عودة صادمة إلى الواقع بعد إيرولت - روزانا بو منصف (النهار)
قد يكون الكلام الذي نقل عن رئيس الحكومة تمّام سلام غداة زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان مارك ايرولت، أو تزامنا معها، أن لا رئيس في بعبدا قبل الاتفاق السعودي - الايراني ليس جديدا، وتلهج به ألسن السياسيين منذ أشهر طويلة، لكنه يكتسب أهميته من موقع قائله والمعطيات المتوافرة لديه، وفي ضوء حصيلة اتصالاته، وهو العائد حديثا من زيارة للمملكة العربية السعودية لم تخل من إشارة سياسية، ولو تحت طابع ديني. والمفارقة اللافتة أن هذا الكلام يعاكس الدعوة التي حملها رئيس الديبلوماسية الفرنسية لجهة أن من المهم أن يتولى اللبنانيون مساعدة أنفسهم، وهو أقل ما يمكن الزائر الفرنسي أن يقوله على رغم ادراكه مكمن العراقيل أمام لبنان. ويكشف، ولو لم يشأ ذلك الرئيس سلام، ان كل الحركة الداخلية الناشطة اخيرا في اتجاه تحريك الشأن الرئاسي منيت بالفشل لأن الكرة هي في الملعب الاقليمي. ولعل الإقرار بهذا الامر ليس سهلا بالنسبة الى رئيس للحكومة، ولو ان مواقفه تتسم عموما بالصراحة والوضوح، الا انه يقفل الباب امام آمال رسمت في الآونة الاخيرة بعيدا من الاصطفافات السياسية التي تجعل من موقف ما عرضة للتشكيك على انه في موقع الخصومة او الابتزاز.
الا ان الشق الآخر في المعادلة هو أنه جرت محاولة متجددة من أجل تسويق دعم العماد ميشال عون للرئاسة الاولى، لم يكتب لها النجاح، الى درجة دفعت الى الواجهة في بعض اللقاءات التي عقدها وزير الخارجية الفرنسي مع بعض المسؤولين حتمية الذهاب الى خيار آخر غير المرشحين الاربعة الذين رسا عليهم الاتفاق في بكركي. وهو موقف لا يعتقد أن الفرنسيين بعيدون منه، في الوقت الذي ليسوا بعيدين او بالاحرى محبذين للتوافق مع الرئاسة على قانون للانتخاب والحكومة في وقت واحد. لكن في الموضوع الرئاسي، المحاولات التي جرت في الاسابيع القليلة الماضية رصدا للاجواء الخارجية والداخلية او لاي تحولات فيها أظهرت عدم تقدم في أي ملف لبناني خارج التزام الاستقرار الامني وحتمية مواجهة الارهاب. فمن جهة، بعض الدول التي تم الاستنجاد بها من اجل التدخل لمصلحة دعم وصول العماد عون واجهت محدثيها بدعوتهم الى الذهاب الى مجلس النواب وانتخاب رئيس للجمهورية وفقا للدستور. ومن جهة أخرى، فإن الافرقاء الداخليين الذين تم التوجه اليهم، أي النائب وليد جنبلاط والرئيس سعد الحريري وحتى رئيس مجلس النواب نبيه بري، لم تتغير مواقفهم على نحو يساهم في أرجحية وصول عون. وتاليا، فإن المحاولة الجديدة التي جرت في الاسبوعين الاخيرين لم تؤد الى أي نتيجة. واذا كانت العقدة الاساسية التي يتم التركيز عليها على نحو متعمد هي استمرار موقف الرئيس الحريري الداعم لترشيح النائب سليمان فرنجية من منطلق رمي كرة التعطيل في ملعبه، فإن اللافت بالنسبة الى مصادر سياسية هو موقف الرئيس بري الذي عمل بقوة على توضيح تمايز الاتفاق على موضوع النفط والغاز مع الوزير جبران باسيل عن الموضوع الرئاسي. فإذا كان الرئيس الحريري ليس مستعدا لتمزيق تياره تأييدا لدعم عون، فإن جملة أفرقاء آخرين ليسوا مضطرين الى أن يبلوروا الموقف نفسه ما دام موقف الحريري كافيا ويمكن قطف ثمار تمسكه بمواقفه من دون التخلي عن مرونة علنية للتعامل مع كل الاحتمالات. وهذه المؤشرات ساهمت في تنفيس الأجواء التفاؤلية التي سادت عن قرب انتخاب رئيس في الشهرين المقبلين، علما أنه بالنسبة الى هذه المصادر يكفي متابعة ما يجري من تطورات على الصعيد الإقليمي من أجل الجزم بصعوبة إنجاز الانتخابات الرئاسية وفق التفاؤل المبالغ فيه. فإذا كان الوضع مربوطا بالازمة السورية على الاقل وليس فقط بالمفاوضات حول اليمن كمؤشر لإمكان تفاهم سعودي - ايراني قد تبلغ تداعياته لبنان، وهو كذلك، وقد قال الوزير الفرنسي ان بلاده تسعى لعزل الازمة التي يعيشها لبنان عن ازمة سوريا، فيكفي النظر الى التطورات في الموقف التركي من اجل عدم توقع ان يحسم اي شيء في لبنان راهنا. والواقع أن التراجع الذي قام به الرئيس التركي رجب طيب اردوغان أمام روسيا واضطراره الى الاعتذار واعادة علاقات بلاده مع اسرائيل وصدور مواقف ملتبسة حول سوريا بعضها يتصل بالرغبة في تجنيس السوريين أو التلميح الى استعداد انقرة لتحسين علاقاتها مع دمشق، مع عدم نفي معلومات عن تقبل تركيا بقاء بشار الاسد بعض الوقت، انما يدل وفقا للمصادر السياسية الى يأس تركيا من توافر حل لسوريا في المدى المنظور والتعامل مع الواقع القائم او محاولة التكيف معه والحد من خسائره بالمقدار الممكن، على غرار ما يعتقد انه وراء اقتراح تجنيس السوريين، على اساس ان هؤلاء ربما يشكلون جدارا ديموغرافيا عربيا مع جنسية تركية تسمح لتركيا لاحقا بالتأثير في جوارها. وهذا إن دل على جملة أمور، لا مجال للدخول في تفاصيلها في هذا السياق، فإنه لن يتوقع في اي حال ان تغيب الرهانات الاقليمية او حتى المحلية في حال كان للبنانيين أي دور حاسم في خياراتهم، بما لا يسمح بالتفريط بأوراق محددة في وقت ملتبس وغامض وفق ما هي الحال اليوم، ووفق النموذج الذي تقدمه تركيا على الأقل. ومعلوم أن دولا اقليمية اخرى تتموضع بدورها وتسعى الى تحسين أوراقها، وما يحصن لبنان من عدم سقوطه في المحظور هو عدم تحريك الخطوط المتفق عليها ضمنا حتى الآن.