اجتماع الحكومة أفضل الممكن ولا خيار إلّا بالعودة إلى تطبيق الدستور - روزانا بو منصف (النهار)
ندرت المواقف التي يمكن ادراجها من ضمن ردود الفعل على ما فجر طاولة الحوار وعلق أعمالها. لم يرغب احد في مساجلة "التيار الوطني الحر" واعطائه ورقة يبرر فيها تصعيده، ولم يود احد المزيد من توتير الوضع ودفعه الى خيارات خطيرة، أقل ما يقال انها ستصيب ما بات يعتبر كعب اخيل راهنا، اي الوضع الاقتصادي الذي يتسم بدقة وحساسية كبيرتين جدا في المرحلة الراهنة، بالاضافة الى التداعيات السياسية المحتملة على الواقع السياسي، بل التزم الجميع التهدئة، لكن من دون ترك الساحة كليا لغياب بعض الردود، لئلا يأخذ المنطق العوني مداه في إثارة مخاوف المسيحيين ومحاولة توظيف هواجسهم. ويعتبر مرجع حكومي سابق أن انعقاد جلسة مجلس الوزراء الاخيرة برئاسة الرئيس تمّام سلام ومشاركة 16 وزيرا كان أفضل الممكن من أجل المحافظة على الحكومة وعدم التفريط بها. ويكشف ان "حزب الله" كان حريصا، على هامش الجلسة الاخيرة للحوار التي شهدت خطابا مرتفع النبرة والمضمون من جانب رئيس "التيار الوطني الحر" الوزير جبران باسيل، على لململة ما حصل فيها والسعي الى استيعابه، في دلالة كبيرة على أن الحزب يرغب في المحافظة على استقرار الوضع وعلى الحكومة وفق ما أسرّ به ممثل الحزب على طاولة الحوار النائب محمد رعد لعدد من الأفرقاء السياسيين بمن فيهم "تيار المستقبل". وإذ يعتبر المرجع أن ما يجري راهنا هو من مظاهر أزمة أكبر، فإن ثمة خطورة انطوى عليها موقف باسيل لجهة محاولة تصوير الوضع للمسيحيين كأن هناك من يحاول ان يأكل حقوقهم، وهؤلاء هم السنّة في لبنان، في حين أن الكلام على الميثاقية ليس في محله في رأيه. إذ إن الميثاقية لم تعد موجودة كما كانت شفوية عام 1920 أو حتى عام 1943، بل أصبحت مكتوبة في مضمون النص الدستوري في وثيقة الوفاق الوطني، بحيث لم تعد الميثاقية مطروحة خارج الدستور الذي تحدث عن أن لبنان وطن نهائي لجميع اللبنانيين، وعن العيش المشترك والمناصفة من ضمن نظام ديموقراطي برلماني، وعن قانون انتخابي يراعي العيش المشترك ويضمن صحة التمثيل. مسألة السعي الى تجييش المسيحيين وإثارة مخاوفهم هي أكثر ما يثير الاستياء في خطاب رئيس التيار العوني، الذي لا يخفي المرجع الحكومي السابق أن الرد الذي قدمه النائب سليمان فرنجية على طاولة الحوار في هذا الاطار عن تخويف المسيحيين كان ابلغ ما يمكن الرد به على موقف رئيس "التيار".
ماذا عن اتجاهات الازمة الراهنة وما هو مآلها المحتمل؟
ثمة مسعى واضح يتفق عليه اكثر من طرف وزاري هو سعي "حزب الله" الى لجم اندفاعات التيار العوني والى ما يعتبره كثر شراء للوقت، ربما لعدم نضج التوقيت لانتخابات رئاسية يعتقد كثر ان ايران لن تبيع ورقتها فيها لادارة اميركية لم يتبق لها سوى ستين يوما، قبل ان تحمل الانتخابات رئيسا جديدا. المرجع الحكومي السابق يعتبر ان لا خيار للخروج من الازمة الحالية الا بالعودة الى الدستور، باعتبار أن الخيار الآخر قد يحتمل ان يكون المزيد من اللعب بالبلد قبل العودة للوصول الى الخلاصة نفسها، اي العودة الى الدستور الذي يتضمن كيفية انتخاب رئيس الجمهورية الذي هو رمز وحدة الوطن كما يتضمن في المادة 74 منه حتمية نزول النواب الى المجلس النيابي لانتخاب رئيس جديد. فحتى الآن ارتكبت أخطاء جمة في المسار المتصل بالرئاسة، بحيث تشبّه مجموعة هذه الأخطاء بشخص يقود سيارة على الطريق السريع وأخذ منعطفا خاطئا يحاول الخروج منه، فيأخذ منعطفا آخر خاطئا، وهكذا دواليك. الخطأ الاول في رأيه تمثل بالموقف الذي تبناه مسؤولون كثر، أن على المسيحيين أن يتفقوا على الرئيس العتيد، والآخرون يسيرون بخيارهم، وقلة من السياسيين اعتبرت ان الرئيس، وإن كان مسيحيا، ليس المسيحيون وحدهم من يختارونه، لأن انتخابه قرار وطني. وقد ذهب الرئيس فؤاد السنيورة الى هنا القول على طاولة الحوار في دحض هذا المنطق، علما أنه كان أطلق هذا الموقف من بكركي على نحو مبكر. والخطأ الثاني الذي ارتكب هو الإقرار بأن هناك ناديا مغلقا للمرشحين، بحيث اقتصر عددهم على أربعة للاختيار من بينهم. والخطأ الثالث كان ترك المجال رحبا لمقولة الرئيس المسيحي القوي، على رغم أن هذا المنطق تم السعي الى تصحيحه على طاولة الحوار من خلال التأكيد أن الرئيس القوي لا ينطلق من دعم بيئته فحسب، بل يكون مقبولا من الآخرين أيضا وقادرا على جمع اللبنانيين من حوله، لكونه رمز وحدة الوطن. ولعل اللبنانيين لم يعرفوا قيمة موقع الرئاسة الاولى الا حين افتقدوه فعلا خلال سنتين ونصف سنة من الشغور الرئاسي في رأي المرجع الحكومي السابق.
وازاء الاحراج الذي تسبب به "التيار الوطني" لحليفه الاساسي، اي الحزب، كما لحليفه الآخر "القوات اللبنانية"، في ضوء دفاع الدكتور سمير جعجع عن دعم العماد عون بأن الدستور هو الذي يشكل الضمانات للجميع، ثمة تساؤلات عمّا اذا كانت الخطورة التي حملها تصعيده يمكن ان تؤدي الى تقارب بين الحزب و"تيار المستقبل" في ضوء ما يعتبره كثر ورقة ثمينة لرافضي انتخابه رئيساً، وهي انه يمكنه ان ينبش أوراقا خطيرة تهدد وحدة البلد، وهو لا يزال خارج الرئاسة، فكيف يكون الوضع اذاً في حال تسلمه الحكم؟
المرجع السابق قال إن الاشكالية مع الحزب تتصل بموضوع وحدانية السلاح في لبنان وضرورة ان يكون مع الدولة وضد الاستتباع لمصلحة الاحزاب والميليشيات.