إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

"أستانة": تموضع روسيا يكشف ايران - علي الأمين (البلد)

 نجحت روسيا في تعزيز حضورها كطرف راع للتسوية بين المعارضة السورية ونظام الأسد. هذا ابرز ما يمكن استخلاصه من مؤتمر أستانة الذي انهى اعماله امس وخلص الى بيان ختامي صدر عن الدول الراعية اي تركيا وايران وروسيا، والأصح عن روسيا التي تقود هذه العملية من المفاوضات لتثبيت الهدنة بين فصائل المعارضة المسلحة ونظام الاسد.
لم تحدد روسيا اهدافاً لمؤتمر أستانة تتجاوز قضية تثبيت الهدنة، تلك التي صاغتها مع الحكومة التركية نهاية الشهر المنصرم، بعد معركة حلب وخروج الفصائل المسلحة من المدينة بشكل كامل. عدم تحميل المؤتمر اهدافا تصل الى الانخراط في مشروع تسوية سياسية، يحول دونه اسباب تتصل بمرجعية جنيف والامم المتحدة، لكن الأهم هو عدم مباغتة الادارة الاميركية بخطوات من هذا القبيل، لا سيما ان الموقف التقليدي للادارة الاميركية والثابت حتى الآن هو رفضها ان تكون روسيا مرجعية الحل السياسي في سورية.
لا شك ان الادارة الاميركية الجديدة لن تخرج عن استراتيجيات حددتها الادارة السابقة على الأقل في المدى المنظور.
وفي انتظار انتهاء ما يسمى بمرحلة الصمت التي تعقب عملية تنصيب الرئيس المنتخب في الولايات المتحدة الاميركية، تستمر الادارة الاميركية في التصدّي لما يسمّى التنظيمات الارهابية في العراق وغيره، علماً ان ليس هناك من توقعات تدفع نحو خيار اميركي مختلف نوعيا عمّا كان معتمدا في عهد ادارة اوباما تجاه الازمة السورية.
وربما الكلام الصادر عن القناة العاشرة الاسرائيلية في الساعات الماضية، ان الرئيس الاميركي دونالد ترامب صرف النظر في الوقت الحاضر عن قرار نقل السفارة الاميركية من تل أبيب الى القدس، يوحي بأن العديد من المواقف التي اطلقها ترامب في حملته الانتخابية سيصطدم بمؤسسات صناعة القرار الاميركي الممتدة من الكونغرس الى البنتاغون والمخابرات، من دون ان يعني ذلك بطبيعة الحال ان ترامب لن تكون له بصماته البارزة على هذه القرارات.
هذا الانطباع الأولي عن عدم توقع سياسات اميركية مختلفة في الحجم والنوع تجاه سورية، لا يعني ان الدول الاقليمية وروسيا ليست في حالة ترقب لما سيصدر عن الرئيس الاميركي الجديد. فهو الذي حدد التطرف الاسلامي كهدف للابادة من قبل ادارته، كما انه وجه اكثر من رسالة سلبية لايران، وتشير الى ان ترامب لم يكن راضيا عن السلوك الاميركي الذي قاده اوباما تجاه ايران. والى ذلك هناك العلاقة مع روسيا التي تبقى في وعي الناخب الاميركي دولة غير صديقة بل خصما لا يمكن ان تكون العلاقة معه ودية. من هنا يبدو الحذر الروسي والايراني من الادارة الجديدة يتخذ سياسات تتسم بتجميع الاوراق في سورية، ولكن هذه المرة بطريقة تدفع نحو توقع مزيد من التباين الروسي-الايراني وليس التطابق في النظرة والحسابات.
هكذا كان مؤتمر آستانة كترجمة اعادة التموضع الروسي، بما يحول دون غرق روسيا في الوحول السورية من جهة، وخطوة لاستثمار الزخم العسكري الروسي الذي حال دون سقوط النظام السوري من جهة ثانية، كما صرح وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف قبل ايام.
فإذا كانت ايران غارقة في حرب ايديولوجية او اهلية هي رأس حربة احدى جبهتيها، وعاجزة عن لعب دور توفيقي او تسووي بسبب طبيعة انخراطها العسكري والايديولوجي، فموسكو لم تكن يوما امام وهم الانخراط في الانقسام الصفوي-العثماني او الفارسي -العربي او السنّي-الشيعي، ولا في وارد الانشغال بمواجهة مع اسرائيل، لذا تبدو قيادة الكرملين لديها من القدرة على الوصل والقطع في علاقاتها بما لا يتوفر لدى اي فريق اقليمي او حتى دولي.
خرج مؤتمر أستانة ببيان صادر عن دول ثلاث، ونكرر هو بيان روسي بالدرجة الاولى، يثبت موقع روسيا كطرف ثالث بين متصارعين اثنين، اقليميا وسوريا، والاهم ان البيان اظهر ان النظام السوري هو طرف في صراع مثله مثل الفصائل المقاتلة ولا يكتسب شرعية التحدث باسم الدولة السورية. وفي ذلك محاولة رسم للاطار العام الذي سيتيح لروسيا ان تدير الصراع السياسي وحتى المواجهات العسكرية من موقع يخفف عنها احتمالات الاستنزاف العسكري ويتيح لطرفي الصراع المزيد من الاستنزاف السياسي والعسكري في لعبة عض اصابع باشراف روسي ومراقبة اميركية متحفزة مع الادارة الجديدة.

← العودة إلى مختارات