خطاب السنة الأولى: رئيس الجمهورية سبّاق إلى نعي اتفاق الدوحة - نقولا ناصيف
أفسح رئيس الجمهورية، في خطاب انقضاء السنة الأولى من الولاية، أمام تحديد خيارات الرئاسة في المرحلة المقبلة. ولئن كان المكان الذي أطلق منه الخطاب ذا دلالة رمزية وخاصة غير بعيدة عن موقف الرئيس ميشال سليمان من الانتخابات النيابية، ومن انتخابات مسقط رأسه دائرة جبيل خصوصاً، واقع الأمر أنه ـــــ خلافاً لمعظم أسلافه الذين خاطبوا اللبنانيين بعد السنة الأولى من وراء مكتب الرئيس في القصر الجمهوري ـــــ أراد توجيه أكثر من إشارة في هذا الاتجاه.
وشأن معظم أسلافه أيضاً الذين ورثوا برلماناً انتخبه بإجماع أو بشبه إجماع إلى رئاسة الجمهورية، يبدو سليمان أمام امتحان غير مسبوق، هو أنه لن يمسك في المجلس النيابي الجديد الأكثرية التي تعزّز موقعه في الرئاسة، وتطلق يده في ممارسة صلاحياته الدستورية. ليس الرئيس الحالي في حال مماثلة للرئيسين إلياس الهراوي وإميل لحود اللذين قدّمت لهما سوريا في مطلع عهديهما، في انتخابات 1992 و2000، غالبية نيابية مكّنتهما من الحكم بلا عقبات كبيرة. وليس في حال رؤساء ما قبل اتفاق الطائف الذين تمكنوا بدورهم مع أول برلمان منتخب في مطلع الولاية من إحكام السيطرة على الغالبية النيابية. لكن فحوى خطاب سليمان في جبيل أنه سلّط الضوء على المعبر الضيّق بين رئيس الجمهورية كرئيس توافقي قيّد اتفاق الدوحة دوره، وبين صراع مفتوح بين قوى 8 و14 آذار لا يسع المؤسسات الدستورية تنظيمه أو تخفيف وطأته. بذلك حدّد الخيارات التي يريد من خلالها ممارسة الحكم في السنوات الخمس المقبلة:
ـــــ عندما أضاف إلى مهمات الرئيس التوافقي فرض التوازنات الداخلية وضمان قيامها، متجاوزاً بذلك ما رمى إليه اتفاق الدوحة عندما دعا إلى انتخاب رئيس توافقي لإدارة توازن القوى الخارجة لتوّها من إحداث 7 أيار، وملء الشغور في رئاسة الجمهورية، وإعادة الاعتبار أولاً إلى الاستقرار الأمني. بدا الرئيس سبّاقاً للأفرقاء اللبنانيين الآخرين إلى طيّ صفحة اتفاق الدوحة وإنهاء مفاعيله كي لا تستمد ولايته، في السنوات الخمس المقبلة، دورها من الإجراءات والتدابير الاستثنائية التي رعاها هذا الاتفاق.
ـــــ وعندما أبرَزَ رئيس الجمهورية جانبين متناقضين لمرحلة ما بعد انتخابات 7 حزيران، وتحديداً تأليف الحكومة الأولى. أولهما دعوته إلى القبول بنتائج الانتخابات التي ستفضي حتماً إلى رابح وخاسر، وتالياً إلى أكثرية تحكم وأقلية تعارض أياً تكن هذه أو تلك. وثانيهما دعوته أيضاً إلى تأليف حكومة تعكس الروح الميثاقية في الدستور وترتكز خصوصاً على المشاركة، ممّا يحتم التخلي عن قاعدة حكم الغالبية. والمطلعون عن قرب على موقف الرئيس يرون في ضوء ما يقوله أمامهم أن التوصّل إلى حلّ ثالث بين هاتين الصيغتين المتناقضتين، اللتين لا يستطيع تجاهلهما في إدارة الحكم، يكمن في انبثاق أكثرية وأقلية تجمع كل منهما كل الطوائف اللبنانية، عندئذ يصحّ، بحسب سليمان، الاحتكام إلى حكم غالبية ومعارضة أقلية لا يتناقضان مع ما يسميه الروح الميثاقي.
يجعله ذلك أكثر ميلاً إلى حكومة تعبّر عن تلك الروح عبر مشاركة كل الأفرقاء الرئيسيين في النزاع خارج حساب الأكثرية والأقلية. إذ تحت وطأة الانقسام الحاد القائم حالياً لن يسع قوى 14 آذار ادعاء تمثيلها الفريق الشيعي، ولن يسع قوى 8 آذار في المقابل ادعاء تمثيلها الفريق السنّي. إلا أنه لن يكون في مقدور رئيس الجمهورية كذلك ـــــ أياً يكن الرابح منهما في الانتخابات ـــــ توقيع مرسوم تأليف حكومة تخلّ مقوّمات تركيبتها بالروح الميثاقي نفسه.
ـــــ وعندما تفادى الكلام مباشرة عن صلاحيات رئيس الجمهورية وتعديلها، على وفرة المرات التي أثارها فيها خلال الأشهر المنصرمة. إلا أنه لمح في أكثر من مكان في الخطاب إلى المسألة الدستورية المحاطة بالغموض. أبدل عبارة صلاحيات بعبارة مسؤوليات كي يحمّلها المضمون نفسه. وتبعاً للمطلعين أنفسهم على موقف سليمان، فقد قارب إعادة البحث في الصلاحيات على أنها محاولة لمساعدة رئيس الجمهورية على اضطلاعه بدوره في الحكم من خلال صلاحيات تكفل له هذا الدور، لا على أنها امتياز. وهو ما يحدو رئيس الجمهورية على تجاوز دور الرئيس التوافقي، فلا يريد أن يكون على مسافة واحدة من طرفي النزاع، ولا بالتأكيد طرفاً مع أحدهما في مواجهة الآخر، بل يتصرّف كأنه يمسك بزمام مبادرة بلورة الحلول التي تأخذ في الاعتبار مصلحة الاستقرار والتوازن الداخلي، ووضع المخارج عندما تتناقض وجهات النظر حيالها في يد رئيس الجمهورية باحتكام الأفرقاء إلى دوره، أو باحتكامه هو إلى صلاحيات واضحة غير ملتبسة.
ـــــ وعندما وازن بين رفضه المثالثة والثلث المعطل في مجلس الوزراء، وبين الإصرار على حكومة ضامنة الكل لا الجزء، معبّراً عن انتقاد ضمني للمواقف القائلة برفض المشاركة في الحكومة المقبلة في ضوء ما ستؤول إليه الغالبية النيابية. إذ لا يعدو موقف كهذا كونه عرقلة تأليف حكومة يشارك فيها الأفرقاء الذين يجسّدون في تقدير رئيس الجمهورية الروح الميثاقي للدستور. إلا أنه يبدو هو الآخر معنياً بتفسير الضمانات التي يطلبها فريقا النزاع وتوفيرها لهما خارج نطاق الشروط المتبادلة.