دينامية جنبلاط اللبنانية - علي الامين - البلد
فتح النائب وليد جنبلاط ثغرة في جدار الازمة المستحكمة حول الاستراتيجية الدفاعية، ودخل من خلالها ليفتح افقا جديدا على السجال غير المنتج بين دعاة احتكار الدولة شرعية القوى، والمطالبين بتشريع البنية الامنية والعسكرية للمقاومة الممثلة بحزب الله. لقد قدم جنبلاط اقتراحا برسم حلفائه وخصومه على هذا الصعيد، عندما عرض المباشرة بخطوات عملية لادراج بعض قطاعات المقاومة تحت اشراف الجيش، واقترح عبر برنامج كلام الناس، ان يبدأ ذلك من منطقة مرجعيون الحدودية كخطوة اولية تنطوي على اختبار، يتمثل بوضع قدرات المقاومة البشرية والامنية تحت سلطة الجيش. وينطلق جنبلاط على هذا الصعيد من اقتناع ان اللبنانيين معنيون بتقديم اقتراحات عملية لمعالجة الازمة السياسية القائمة في البلد، وعدم الرضوخ للمعادلات الاقليمية والدولية بل التفاعل معها بما يحمي لبنان من ان يتحول الى ساحة لتصفية الحسابات الاقليمية والدولية.
لقد وضع عبر هذه الثغرة بندا جديا على جدول اعمال طاولة الحوار بعد الانتخابات النيابية المقبلة، وهو بند لم يلق حتى الآن رفضا صريحا من اي طرف سياسي، بل يمكن القول ان قوته تأتي من كونه يلبي حساسيات الموقفين من هذه القضية لدى 8 آذار و14 آذار، ويشكل مخرجا لائقا للمراوحة التي حكمت مقاربة مسألة سلاح المقاومة وتنظيمه في اطار الدولة الواحدة. وفي معزل عن النتائج التي يمكن ان تخلص الانتخابات النيابية اليها، فان سلاح المقاومة فوق هذه النتائج، وليس قضية تنتظر البت بها عبر البرلمان، كما درج قادة حزب الله في اكثر من مناسبة، على التأكيد ان سلاح المقاومة باق. فيما سلم بعض حلفائهم على اعتبار ان معالجة مسألة السلاح رهن اوضاع اقليمية - دولية وليست لبنانية، شاA152; بعض خصومه اعتبار السلاح القضية المحورية التي تحول دون قيام الدولة بكامل مسؤولياتها السيادية.
جنبلاط اتجه نحو مقاربة الازمة الوطنية من زاوية جديدة، بدينامية تتسم بالفصل بين الشعار والآليات، فلا يخرج عن ثوابته في رؤيته السياسية للدولة وسيادتها، انما يحاول ابتداع وسائل جديدة تؤسس لخيار وسطي يصب في نهاية المطاف مع التسليم بتحصين البلد من المخاطر الخارجية المتربصة به من اكثر من اتجاه. علما ان هذا الاجتهاد والمناورة الجنبلاطية تصبان في تدعيم منطلقات رئاسة الجمهورية، كما تكتسبان قوة من هذه المنطلقات.
حيث يستعد الرئيس ميشال سليمان لمرحلة ما بعد الانتخابات النيابية لتنظيم جدول اعمال طاولة الحوار، واعطاA152; الزخم المطلوب لمخارج باتت حاجة لدى جميع الاطراف.
وكما يطرح الزعيم الدرزي امام حلفائه هذا التحدي، يدرك انه يعرض على حزب الله مخرجا يحتاجه، فالحزب موقن ان كل قوته ونفوذه السياسي والامني والعسكري، لا يحصنه والبلد من المخاطر المتعاظمة، ان لم ينجح في اعادة التموضع الداخلي، اي عبر اثبات قدرته على اغراA152; خصومه بانه جاد في الانخراط في مشروع تدعيم الدولة، وشديد الحرص على ادراج القوة التي يحوزها في عملية تحصينه. فكما ان الاكثرية النيابية لدى فريق 14 آذار لم تكن قادرة على تثبيت خيارتها السياسية حيال سلاح المقاومة، لن تشكل الاكثرية في ما لو حازها حزب الله وحلفاؤه في ضمان الحماية للمقاومة او اللبنانيين، ولن تحصن البلد من الفتنة المذهبية التي قد تزداد مخاطرها في المرحلة المقبلة.
وليد جنبلاط الذي جرى وصفه من قبل خصومه باقذع الاوصاف خلال السنوات القليلة الماضية، هو نفسه اليوم يقتحم الاماكن التي تجنبها الآخرون، ففي خضم المعركة الانتخابية والتصعيد الكلامي الذي تشهده البلاد، يقدم جنبلاط اقتراحه الهادئ، ليفرض جدول اعمال عابرا للانتخابات ومتجاوزا لنتائجها غير المكتملة بعد. اقتراح يكتسب قوته من عجز حلفاA152; رئيس اللقاA152; الديمقراطي وخصومه عن احداث خروق جدية في جدار الازمة المقيم، ومن قدرة على تظهير الامكانية اللبنانية لمقاربة الحل المنشود لأزمة طالت واستطالت.