رسالة مجلسي الكونغرس ترسم ملامح تقييده بضغط إسرائيلي ... هل يلبي خطاب أوباما الآمال في مبادرة عملية ؟ - روزانا بومنصف - النهار
يترقب متابعو التطورات في المنطقة الزيارة المرتقبة التي يعتزم الرئيس الاميركي باراك اوباما القيام بها للمنطقة هذا الاسبوع، وما سيتضمنه خطابه من افاق للانفتاح مع العالم الاسلامي، والموقف من الازمة في المنطقة بعد التطور الاخير الذي تمثل في الرسالة التي رفعها 400 مشترع اميركي الى اوباما يناشدونه فيها عدم الضغط على اسرائيل في موضوع وقف الاستيطان وحل الدولتين الفلسطينية والاسرائيلية. اذ ترك لجوء اسرائيل الى الكونغرس الاميركي بمجلسيه من اجل الضغط على الرئيس الاميركي للتوقف عن الدفع قدما في موضوع وقف اسرائيل بناء المستوطنات وقبول حل الدولتين، علامات استفهام كبيرة حول قدرة الادارة الاميركية الجديدة على التحرك عشية زيارة اوباما لكل من المملكة السعودية ومصر وتوجيهه رسالة الى العالم الاسلامي من القاهرة. فالغالبية الساحقة التي اعتمدت عليها "اللجنة الاميركية - الاسرائيلية للشؤون العامة" (ايباك) في المجلسين الاميركيين اي 329 عضوا في مجلس النواب من اصل 435 و76 عضوا من مجلس الشيوخ من اصل مئة وقعوا جميعهم رسالة طالبوا فيها الرئيس الاميركي بان يكون "صديقاً وفياً لاسرائيل" وترك مهمة التفاوض في شأن تفاصيل اي اتفاق بين الفلسطينيين والاسرائيليين للاطراف المعنيين وحدهم، تعني ان "ايباك" توجّهت الى مركز القرار في واشنطن الذي لا يزال يؤيّد عدم الضغط على اسرائيل .
وهذا الامر يؤدي الى تقييد الرئيس الاميركي وان يكن لا يزال يتمتع بشعبية كبيرة لدى الاميركيين واليهود الاميركيين ايضا من مؤيدي التوصل الى حل سلمي في المنطقة. فلهذا الموقف دلالاته من حيث تخفيف الاندفاع لدى كل من اوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون، وخصوصا عشية توجّه الرئيس الجديد الى منطقة الشرق الاوسط واستطلاعه قبل ذلك رأي عدد من الدول فيه من اجل ان تكون اطلالاته الاولى في المنطقة ذات معنى بالنسبة الى عودة العلاقات بين الولايات المتحدة والعالم العربي الى طابع اكثر هدوءا بعد التوتر الذي اصاب هذه العلاقات في عهد سلفه، وكذلك بالنسبة الى النية لدى الادارة الجديدة في حل الصراع العربي - الاسرائيلي بدءا بالقضية الفلسطينية.
والاسئلة التي تثيرها هذه الخطوة الاميركية تتصل بمعرفة ما اذا كان اوباما سيتمكن من المحافظة على الزخم الذي اراد اطلاقه من القاهرة، وهل سيواجه اسرائيل في مسألة الاصرار على حل الدولتين ووقف الاستيطان؟ والى اي حد يمكنه الذهاب في هذه المواجهة؟ وكذلك الى اي حد يمكن ان يدعمه اليهود الاميركيون في سعيه الى ايجاد حل في المنطقة؟ وهل ان اسرائيل تكبّر حجم الضغط الاميركي عليها من اجل الحد من قدرة الادارة الجديدة على التحرك، ولكي يبرروا مقاومته عبر الكونغرس او سواه وخصوصا في ضوء الايحاء ان الضغوط الاميركية ساهمت في وقف التعبئة الاسرائيلية ضد ايران، وحددت او قيّدت امكان قيامها بعملية عسكرية ضدها ليس قبل ان ينتج الحوار الاميركي - الايراني المرتقب بعد الانتخابات الايرانية هذا الشهر، اي شيء؟
ويخشى مراقبون معنيون ان يساهم هذا الموقف في تقييد الرئيس الاميركي، ولو انه يسود اقتناع واسع بان واشنطن لا يمكن ان تذهب بعيدا في التخاصم مع اسرائيل او في الضغط عليها. فالخطاب الذي يتوقع ان يلقيه أوباما من القاهرة الخميس المقبل رسم توقعات لا ترقى الى حد اعلانه مبادرة جديدة من اجل التوصل الى حل سلمي عاجل، لكنه على الاقل ضخّم من حجم هذه التوقعات، باعتبار انه سيتوجه بخطاب تصالحي الى العالم الاسلامي من جهة، في حين تدرك واشنطن جيدا انه يجب تقديم امور عملية وليس موقفا انشائيا مبدئيا من دون مضمون لان ذلك سرعان ما سينعكس سلبا على الادارة، من جهة اخرى.
ثم ان هذا الموقف على ما عبّر عنه الديبلوماسيون الاميركيون الذين زاروا المنطقة بزخم جديد وعزيمة قوية في اطار اعتبار حل القضية الفلسطينية المفتاح والمدخل الى حل كل القضايا العالقة، وصولا الى ايران والاصولية وما يتصل بها من مسائل تنسب اليها بات متقدما الى حد ما بحيث تشكّل المراوحة فيه، خيبة للدول العربية ولسواها ايضا من الدول الغربية التي تعلق اهمية كبيرة على محاولة إحراز تقدم جدي مجددا في عملية السلام التي اقفل الباب عليها كليا في عهد الرئيس السابق جورج بوش. ويخشى هؤلاء تأثير هذا التقييد الاسرائيلي للرئيس اوباما عبر الضغط بواسطة الكونغرس في مسألة السلام في المنطقة والتأثير على قدرته في تحريك سائر الملفات الاخرى ذات الصلة بما فيها ملف التفاوض مع ايران في ملفها النووي، اقله في المدى المنظور، في انتظار وصول حكومة اسرائيلية جديدة غير حكومة بنيامين نتنياهو تتعاون مع واشنطن في مسألة تمسك الولايات المتحدة بحل الدولتين، ما لم تحصل تسوية معينة تسمح له بالتحرك نسبياً، ولكن من دون ان تسجّل مكسبا حقيقيا للسلام في المنطقة. علما ان الانطباع الذي سيتركه ذلك على الرئيس الاميركي سيكون سلبياً جداً، تماما كتلك المواقف المتناقضة في السياسة الاميركية الداخلية التي اتخذها حتى الان وباتت موقع تهكم في الصحافة الاميركية حول اقفال معتقل غوانتانامو مثلا وعدم نجاحه في ذلك، وقرارات متناقضة عدة تتصل بارادته في تخفيف الديون مثلا بالتزامن مع زيادة الانفاق وما شابه ذلك من قرارات.