كلمة رئيس حركة التجدد الديموقراطي النائب نسيب لحود في افتتاح ندوة 'المرافق العامة والخصخصة: أي خيارات للبنان'
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
منذ ما يقارب العشرين عاما، بدأ مفهوم الدولة، لا سيما في العالم الغربي، يشهد تحولات بارزة على المستويين السياسي والاقتصادي. ففي بداية الثمانينات، دخل نموذج 'دولة الرعاية' في ازمة متعددة الاسباب والاوجه، وراح الاقتصاد السياسي يبحث عن بدائل له، او على الاقل عن مخارج وحلول تخفف من مسؤوليات الدولة واعبائها من ناحية ومن مستوى الضغط الضريبي على المواطنين والقطاع الخاص من ناحية ثانية. ومن جملة الحلول المبتكرة آنذاك، تقدمت الخصخصة كأحد مكونات الحلول الممكنة، وإن بتفاوت بحسب البلدان والانظمة والمجتمعات والظروف، وذلك من ضمن حزمة من الحلول والاجراءات الاخرى المتكاملة. وقد اخذت هذه الحلول طابع البرنامج السياسي-العقائدي في بعض البلدان التي دخلت فلك الليبرالية المطلقة، كبريطانيا التاتشرية مثلا، بينما تم سلوك هذه الحلول من باب اكثر ترويا' واكثر براغماتية في بلدان اخرى كفرنسا مثلا.
وفي بداية التسعينات، تكرس تحول مفهوم الدولة على الصعيد السياسي، مع انهيار المعسكر الشيوعي وترسخ ديناميات العولمة التي بتنا نعيش اليوم في ظلها المهيمن. لكن ما يجدر ملاحظته، انه طوال العقدين المنصرمين، وان اتسما بطغيان النماذج السياسية والاقتصادية الداعية الى الليبرالية الكاملة، تراجع الجانب العقائدي لمسألة الخصخصة وادارة المرفق العام في الاقتصاد لصالح الجانب التقني لهذه المسألة، واعتبارات الفاعلية وعقلنة الانفاق العام والادارة العامة على حد سواء. وهذا ما يعطينا اليوم، نحن في لبنان وغيرنا من البلدان التي تقف اليوم على عتبة اجراءات مماثلة، فرصة الاستفادة من دروس العقدين المنصرمين على مسار الخصخصة في كثير من الحالات، وذلك للتمثل بما فيها من افضل وانجح ولتفادي ما فيها من مكلف وسيئ للدولة كما للاقتصاد كما للمجتمع.
* * * * * *
ان الخصخصة هي من الاشكاليات التي تضيء تماما على الترابط والتلازم الحميمين بين الاقتصاد والسياسة. ولهذا السبب، اختارت 'حركة التجدد الديمقراطي' ان تضع هذه الاشكالية في اولى مواضيع النقاش العام والمفتوح التي تنوي طرحه على العلن، مغتنمة هذه اللحظة لتأكيد بعض الثوابت لديها والتي على التجربة اللبنانية ان تلحظها، اذا كان لإعادة النظر في وضعية مرافقنا العامة ان تعطي ثمارها.
ان انتقال ملكية المرافق العامة من القطاع العام الى القطاع الخاص ليست الا حلقة واحدة، مهمة بالطبع، من عملية مركبة وشاملة يتم من خلالها اعادة النظر بدور الدولة، بوظيفتها، بحجمها، وبالتالي، بطبيعتها، وذلك في الاقتصاد كما في السياسة. ولا تنفصل هذه العملية عن حلقات اخرى كالاصلاح الاقتصادي الشامل واعادة هيكلة البنى الانتاجية والتوزيعية، كما لا تنفصل عن حلقة الاصلاح الاداري وتحديث اجهزة الادارة العامة والدولة برمتها، كل ذلك في اطار واضح من الاصلاح السياسي الشامل ومناخ من الوفاق الوطني الراسخ.
كما ان للخصخصة آليات وشروطا وظروفا ملائمة، من دونها مخاطر جمة، ليس اقلها التفريط بدور الحامي للمجتمع الذي يجب ان تضطلع به الدولة. فالمرفق العام يؤمن خدمة حيوية لـ'المواطن-المكلف'. وعليه اذا، مع الخصخصة والانتقال الى نظام السوق، تأمين استمرار هذه الخدمة 'للمواطن - المستهلك'، من دون التفريط بحق هذا المواطن في الحصول على الخدمة نفسها، بأحسن جودة ممكنة، وبكلفة فردية وجماعية تتلاءم مع امكانيات المجتمع.
وفي الاطار نفسه، على عملية الانتقال من الملكية العامة الى الملكية الخاصة ان تتفادى وقوع المرفق العام المعني في قبضة الاحتكار، الذي يزيد من خطره، في دول العالم الثالث، اقتران السلطة السياسية بملكية المرفق المعني. فإن كانت الخصخصة خطوة نحو تخفيض حجم الدولة في الدورة الاقتصادية، فهي لا يجب ان تعني اطلاقا انتفاء دور الدولة في السهر الى شروط المنافسة، وتحصين الشفافية، وابتكار الاطر التشريعية والمؤسساتية لضمان حق المواطن في الحصول على خدمته العامة بأفضل الشروط.
وفي هذا الاطار بالذات، ولدى مناقشة البيان الوزاري للحكومة الحالية في تشرين الثاني 2000، سبق لنا ان طالبنا الحكومة بتعهد واضح يحول دون ان يشارك أي من اعضائها، بطريقة مباشرة او غير مباشرة في ملكية المرافق المنوي تخصيصها او الامتيازات والرخص المنوي منحها بفعل التخصيص. ونسجل هنا ان رئيس الحكومة، في رده على مداخلات النواب، استجاب لمطالبتنا واصدر تعهدا قاطعا في هذا المجال. وهذا تعهد نأخذه بكل جدية، ونحرص كل الحرص، من موقعنا النيابي والسياسي، على التعاون في وضعه موضع التنفيذ حرصا على المصلحة العامة.
ومن المجالات التي تضطلع فيها الدولة بدور محوري في عملية الخصخصة، المجال الاجتماعي. فانتقال ملكية المرافق العامة تتواكب مع انتقال لملكية ادوات الانتاج الاقتصادي، وبالتالي انتقال جزء كبير من الثروة الاقتصادية من يد القطاع العام الى ايدي القطاع الخاص، مع ما قد يرافق هذا الانتقال من اضطرابات في سوق العمل وتشويهات في توزيع الدخل على الصعيد الوطني. هنا يبرز دور السلطة السياسية كناظم ومرشد يسهر على السلم الاجتماعي وعلى سوق العمل، عبر تشريعات حديثة توسع نطاق شبكة الحماية الاجتماعية للفئات المعرضة لخطر التهميش والاقصاء.
اخيرا، وفي هذا المجال بالذات، نشدد على ضرورة ان يؤخذ في الاعتبار توقيت عملية الخصخصة والظروف التي تمر فيها الاسواق الدولية واسعار اسهم القطاعات المعنية وانعكاسها الحتمي على العائدات المفترضة لعمليات الخصخصة، كل ذلك كي نضمن الا يضحّى بمرافقنا الوطنية بأثمان زهيدة سعيا وراء سراب مالي ظرفي سرعان ما يتبدد دون ان يسهم جديا في التصحيح المالي المنشود.
* * * * * *
على لبنان اليوم ان يعي حجم التغيرات الحاصلة في العالم وفي المنطقة على كافة الاصعدة، وان يعي ضخامة التحديات التي تلقيه عليه هذه التحولات. لذلك تدعو حركة التجدد الى ورشة تحديثية للاقتصاد اللبناني، على الصعيدين العام والخاص، كما تدعو الى اصلاح جريء وحكيم للجهاز الاداري اللبناني برمته. فنحن في 'حركة التجدد الديمقراطي'، نرى عملية خصخصة بعض المرافق العامة كجزء اساسي من عملية تحديث الاقتصاد وترشيد الدولة والتكيف مع تطورات الاقتصاد العالمي.
ومن ضمن هذا المنطق بالذات، فاننا في حركة التجدد الديمقراطي نحذر من ان أي عملية لبيع المرافق العامة او البعض منها لا يمكن ان تكون عملية تجارية بحتة، تلبية لحاجات المدى القصير ونزولا عند ضرورة سد عجز من هنا وتخفيف دين من هناك. فنحن لم ننبري نحذر من خطر سياسة شراء الوقت والهروب الى الامام، الا للمساهمة في البحث عن حلول شاملة ومتكاملة تحدث قفزة نوعية ايجابية في واقعنا الوطني والاقتصادي والمالي والاجتماعي. وفي هذا الاطار، تقدمنا مؤخرا من السلطة مجتمعة، من الحكومة، ومن المجلس النيابي، ومن الشعب اللبناني باكمله، ياقتراح تفصيلي غايته الانقاذ وتفادي الاصطدام بالحائط المسدود، وعنوانه العريض الاصلاح الشامل واعادة الهيكلة الشاملة، ووسيلته التشاور والتفاوض بين اطراف المعضلة التي نعيش، والتي تكاد تتحول الى ازمة مفتوحة، بغية مشاركة وطنية مسؤولة ومن اجل ولوج بداية الحل. هذا جوهر ما اقترحناه مؤخرا، وهذا ما سنواظب على طرحه في الاسابيع والاشهر المقبلة.
لقد وضعت حركة التجدد الديمقراطي، منذ تاسيسها، هدفا لنفسها ان تكون فسحة ديموقراطية للتلاقي وللنقاش عام، ومنبرا لعرض التصورات والحلول التي بات ينتظرها لبنان بإلحاح، واداة اصلاح وتغيير نحو الافضل. نعم، نحن نطمح ان نكون اصحاب رؤى، وبالطبع نحن اصحاب رأي. انما نريد ايضا لهذا الرأي ولهذه الرؤية ان يكونا نتيجة اوسع تشاور ممكن، وان يغتنيا بأوسع حلقة من التحاور المطلوب، كي تبقى مهمة النهوض بهذا الوطن مسؤولية مشتركة بين اللبنانيين.
من هنا يسعدني ويشرفني، باسمي وباسم زميلاتي وزملائي في اللجنة التنفيذية والهيئة العامة لحركة التجدد الديموقراطي، ان ارحب بكم في هذا الاجتماع، وزراء ونواب وسياسيين وديبلوماسيين ورجال ادارة ومسؤولين، وخبراء واكاديميين ونقابيين ورجال اعمال ومصرفيين، واشكر تلبيتكم جميعا. واخص بالشكر بالطبع مؤسسة جان جوريس الفرنسية والقيميين عليها، ورئيس الوفد الذي انتدبته المؤسسة الى هذه الندوة، النائب في البرلمان الفرنسي السيد جاك غويار، رئيس اللجنة العليا للمرفق العام للبريد والاتصالات، وكل من ساهم داخل الحركة وخارجها في انجاح اعمال هذه الندوة.
* * * * * *