كلمة امين سر حركة التجدد الديموقراطي الدكتور انطوان حداد في مؤتمر 'مشاركة المرأة في العمل السياسي' - قصر الاونسكو
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
بداية اسمحوا لي باسم حركة التجدد الديموقراطي ولجنتها التنفيذية ورئيسها الأستاذ نسيب لحود أن أتقدم بالتهنئة الى المجلس النسائي اللبناني لمناسبة يوبيله الذهبي ولخمسين عاما من النضال في سبيل حقوق المرأة في لبنان وفي سبيل المساواة والمشاركة.
واسمحوا لي كذلك ان انوه بالجهود التي بذلتها السيدات منظمات هذا المؤتمر وبهذا الحرص على التنوع والتعددية وهي الشرط الاساس للحوار والحرية والديموقراطية.
سيداتي سادتي
موضوعنا اليوم هو التهميش والتمييز ضد المرأة وكيفية الاقتراب من المساواة والمشاركة عن طريق ادماج المرأة في العمل السياسي. ان واقع التهميش السياسي لدور المرأة في لبنان ليس في حاجة الى اثبات. فنظرة سريعة الى الهرم السياسي والاداري والحزبي تكفي لاثبات ذلك ولاثارة أكثر من علامة تعجب واستنكار في بلد تكاد المتعلمات وحملة الشهادات العليا بين نسائه يضارعن لا بل يتفوقن عددا على الرجال في العديد من الحقول والاختصاصات.
نحن في حركة التجدد الديموقراطي نعتبر قضية المرأة في لبنان من الاولويات ليس لأسباب عملية تتعلق بزيادة الانتاجية فحسب، كما يتوسل البعض، بل اولا وقبل كل شيء لأسباب مبدئية وجوهرية تتعلق بالانسان كقيمة مطلقة وحقه بالمساواة بمعزل عن الدين واللون والسن والجنس. لكننا ندرك كذلك ان أسباب التهميش والتمييز ضد المرأة ليست ظرفية او عابرة او حتى سياسية بالمعنى المباشر، بل هي تضرب جذورها عميقا في الاقتصاد والمجتمع والثقافة ونظام القيم المسيطر. لذلك نعتقد ان رحلة تحقيق المساواة والقضاء على التمييز رحلة معقدة ومركبة، كظاهرة التمييز نفسها.
في الشق السياسي من مكافحة التمييز ضد المرأة، يتبادر اولا الى الذهن ما هو سهل نسبيا وفي متناول اليد ظاهرا، أي اقرار الكوتا النسائية في المناصب العامة المنتخبة والمعينة، وهو أمر ركزت عليه المؤتمرات الدولية وخصوصا قمة بيجينغ. نحن في المبدأ نؤيد "الكوتا" لصالح المرأة وان كان الامر يثير لدى بعض الحقوقيين تساؤلات مشروعة حول ضرورة أن تكون أي منافسة خالية من أي تمييز، سلبيا كان او ايجابي. من هنا رأينا ان الكوتا النسائية في الانتخابات يجب ان ينظر اليها كتدبير موقت مهما طال أمده، يأتي في سياق التمييز الايجابي الضروري الى حين التوصل الى المساواة. اما القاعدة العامة، فهي المنافسة الحرة بلا قيود.
من حيث التطبيق العملي، نحن نؤيد فكرة ادخال الكوتا النسائية فورا في الانتخابات البلدية المقبلة، حيث لا يتطلب الامر سوى التوافق على النسبة العددية للكوتا (بين 10 و20 %) وتعديل بسيط للقانون المعمول به حاليا من دون حتى انتظار جهوز القانون الجديد. واعتقد ان ثمة اقتراحات نيابية في هذا المجال نحن نؤيدها في الجوهر.
اما في الانتخابات النيابية، فالأمر يبدو أكثر تعقيدا وأصعب منالا في المدى المباشر. والصعوبة تنبع من طبيعة النظام الانتخابي في لبنان القائم هو أصلا على كوتا أخرى هي الكوتا الطائفية والمذهبية. ولم نقع حتى الساعة على اقتراح عملي يمكن أن يوفق بين هاتين الكوتا. لكن نحن منفتحون على النقاش وملتزمون جديا البحث عن تلك الصيغة في سياق النقاشات الدائرة حول قانون الانتخاب.
سيداتي سادتي،
ابعد من الكوتا وأضمن منها لأنه اعمق، هو التمكين السياسي للمرأة. ويمكن ان يتم ذلك على المحاور التالية:
اولا- تشجيع المرأة على الاقدام على الترشح والانتخاب وممارسة الحقوق السياسية، لكن تشجعيها ايضا على السلوك المواطني غير التمييزي، اي مثلا ان تنتخب الافضل بين المتنافسين، اكان رجلا ام امرأة. فالتعصب الاعمى مع النساء هو الوجه الآخر للتعصب الذكوري مع الرجال، وهو بالتالي يغذي التمييز ضد المرأة بدل من ان يخفف منه.
2- تشجيع المرشحين والمرشحات اللذين يؤيدون صراحة، أي بالقول وبالفعل، قضية المساواة ومكافحة التمييز والتهميش.
3- تشجيع المرأة على الانخراط في الحقل العام، أكان في الانتماء الى الجمعيات ام الى الاحزاب والحركات السياسية. (نحن في حركة التجدد مثلا وان كنا حديثي العهد، فان النساء يشكلن 21 % من مجموع اعضاء الحركة، كذلك فانهن يشكلن 13 % من قيادة الحركة، بوجود سيدتين في اللجنة التنفيذية من اصل 15 عضوا. لا نقول ان ذلك كاف، لكننا ملتزمون مبدأ تكافوء الفرص والوصول يوما الى المساواة الكاملة.)
4- تشجيع المرأة على اكتساب الثقافة السياسية واكتساب مهارات التعبير والحوار والمناقشة والتحليل والاستنتاج وغيرها من أدوات التواصل والتحريك والقيادة وادارة التنوع، كي لا تبقى هذه المهارات التي لا غنى عنها للعمل في الحقل العام حكرا على الرجال، وعلى بعض الرجال فقط.
5- السعي الى الغاء كل الاوجه القانونية للتمييز، او ما تبقى منها في النصوص والتشريعات.
6- التشديد على توعية الرجال والنساء معا على اهمية المساواة ومكافحة التمييز ومردودها الايجابي على الرجال والنساء معا بوصفها قضية المجتمع ككل وليس قضية النساء وحدهن.
لكن كل هذا لا يكفي، فالتصدي الطويل الأمد لمشكلة التهميش والتمييز يجب أن يتناول الجذور العميقة للمشكلة، الثقافية والمجتمعية والاقتصادية. ففي الجذور الثقافية والمجتمعية للتمييز ضد المرأة ولأي تمييز، نجد هيمنة ثقافة القوة في مواجهة ثقافة الحق والعدل. من هنا أهمية الديموقراطية وقيم الديموقراطية من حق وعدل ومساواة في رحلة مكافحة التمييز والتهميش ضد المرأة. ومن هنا أهمية التربية والنظام التعليمي والقيم التي ينقلها الى الناشئة ودورها الحاسم، اما في اعادة انتاج ثقافة التمييز، او في ارساء ثقافة جديدة تقوم على المساواة والحق والعدل.
اما في الجذور الاقتصادية للتمييز ضد المرأة، فنجد التفاوت الهائل في سوق العمل وفي توزيع الثروة وملكية الأصول المالية والعقارية بين الرجال والنساء، حيث نرى:
اولا- تدني مشاركة المرأة في سوق العمل (50 % من الذكور يعملون في لبنان في مقابل 30 % فقط من الاناث، والعدد الاكبر منهن يتركز في قطاع واحد هو قطاع التعليم)،
ثانيا- تراجع اهمية المهام التي تشغلها المرأة في السلم الوظيفي كلما صعدنا درجة في هذا السلم، اكان ذلك في القطاع العام او في القطاع الخاص.
ثالثا (والاهم)- التفاوت الفادح في توزع الثروة وملكية الأصول بين الرجال والنساء، التي لا نملك احصاءات دقيقة حولها ولكننا نكاد نجزم أن ثمة فارقا قد يصل من واحد الى 20 بين ما تملكه النساء ويملكه الرجال من ودائع مصرفية وحيازات عقارية.
من هنا ايضا أهمية العدالة الاقتصادية في رحلة مكافحة التمييز والتهميش.
سيداتي سادتي
ان قضية المرأة لا تنفصل عن قضية المجتمع. فالديموقراطية هي حليف المرأة، لأنها حليف كل ضحايا التمييز. كذلك العدالة الاقتصادية.
وشكرا.