كميل زيادة، مبتكر يعود .. إلى المستقبل! (صحيفة السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
صحيفة السفير - سعد كيوان
متحدث هادىء، لطيف، لا يكثر من الكلام. شخصيته لا تعكس ظاهره <<الضخم>> الذي يوحي للوهلة الأولى بشيء من <<التثقل>>. يحلل محاولا الاحاطة بالموقف، مدققا الفكرة، باحثا عن المصطلحات وكأنه يسعى لاستكشاف... رأي محاوره. لا يبادر، ينتظر سؤالك، لا يرغب كثيرا في استرجاع الماضي. لكنه يسترسل عند الكلام عن ظروف الحرب ولبنان اليوم. آمن دوما بالحوار والتواصل ولم يستغ لغة العنف والسلاح.
كميل زيادة، ابن الفتوح، لم يكن <<متمردا>> في شبابه. كاد أن يدخل الندوة البرلمانية وهو في الخامسة والعشرين عام 1968، عندما استدعي وهو في باريس يتابع دراسته للترشح على لائحة <<الحلف الثلاثي>> الذي اكتسح يومها معظم دوائر جبل لبنان. لكنه رفض <<العرض>> مفضلا اكمال دروسه العليا في الحقوق، وربما البقاء الى جانب عروسه ليلى الصحناوي، اذ لم يكن قد مضى على زواجهما أكثر من ستة أشهر. وأصبح لهما في ما بعد صبي وثلاث بنات، والكبيرة رسامة تعيش في الخارج.
زيادة هو من هرهريا القطين، مواليد 1943، نشأ وعاش في بيروت، وتلقى دروسه الابتدائية والثانوية في مدرسة الجمهور. بعدها، التحق بالجامعة اليسوعية لدراسة الحقوق، حيث بدا ينخرط في العمل الطلابي والسياسي. فأصبح ممثلا للجامعة في ما كان يعرف يومها ب<<اتحاد طلاب الجامعات اللبنانية>> الذي كان يضم كل الجامعات اللبنانية، وبعدها رئيسا لهذا الاتحاد. الا أنه لم ينتم الى أي من الأحزاب التي كانت ناشطة يومها مثل الكتلة الوطنية والأحرار والكتائب لأنه صاحب <<نزعة استقلالية>> كما يقول، رغم التقائه مع افكار الكتلة ومواقف الراحل العميد ريمون اده، الذي بقي على تواصل معه وكان يزوره من وقت الى آخر في منفاه الباريسي.
يقر النائب السابق ببعض من <<موروث>> عائلي في حياته السياسية. فهو ينتمي الى عائلة <<بورجوازية>> ميسورة تميزت بالعلم والعمل في الشأن العام. كان والده تاجر قماش في سوق الطويلة، وعمه هو المطران اغناطيوس زيادة الذي جلس على كرسي مطرانية بيروت لعشرات السنين. ويبدو أن المحاماة دخلت في إرث آل زيادة و<<توارثها>> الابناء عن الأجداد، من جد كميل الى ابن عم والده لويس، الذي كان رجل قانون معروفا درس في العاصمة الفرنسية. ونفي الى حلب في زمن الاحتلال التركي وعاش هناك فترة طويلة مارس خلالها المحاماة وانتخب نقيبا للمحامين سبع مرات. ومن بين <<تلاميذه>> استاذ القانون اللامع ادمون رباط. عام 1943، عاد لويس الى لبنان وانتخب في 1953 نائبا عن دائرة الفتوح. كما عين عم والده مدير ناحية الفتوح ابان الحكم العثماني. واليوم يسير الابن <<على خطى>> الأب كميل في المحاماة.
عاد المحامي الشاب من باريس وقرر الانخراط في العمل السياسي الذي اندفع اليه <<بشكل تلقائي>>. الا أنه ابتكر أسلوبا جديدا مميزا للاطلالة على الناخبين مفترضا أن معظم أهالي كسروان الفتوح لا يعرفونه. خلال انتخابات 1972، ابتدع ابن الفتوح فكرة <<الدائرة الخضراء>>، طبعها على ملصق ملأ به جدران بلدات وقرى القضاء مثيرا حشرية الناس للتعرف على مغزى الشعار ومن يقف وراءه. فعل ذلك لأشهر قبل أن <<يكشف>> عن هويته في ملصق جديد يحمل <<الدائرة الخضراء>> وصورة له حاملا طفلا بين ذراعيه، تحت شعار يقول: <<من أجلك أخوض معركة المستقبل>>. ونشط المرشح بين شباب الأندية وشجعهم على تأسيس مكتبات عبر شراء كتب وتقديمها لهم.
رغم فرادة الفكرة لم يحالفه الحظ لأنه لم يتمكن من الانضمام الى لائحة، فخاض المعركة منفردا في مواجهة لائحتين قويتين ومرشحين آخرين. الا أنه حصل على 4 آلاف صوت، وهو رقم لا بأس به. مع ذلك قرر <<البقاء في الساحة>> تحضيرا للدورة اللاحقة... الا أن الحرب انفجزت فانصرف الى مهنته رافضا الانجرار وراء لغة السلاح والاقتتال.
مع عودة الحياة السياسية ترشح زيادة مجددا عام 1992 وفاز على لائحة مشتركة مع الياس الخازن ومنصور البون وفارس بويز، ليفترق عن الأخير بعد التمديد للياس الهراوي عام 1995. وفاز ثانية في المقعد النياني عام 1996 وتميز بنشاطه البرلماني. أما عام 2000 فلم يحالفه الحظ <<لأسباب باتت معروفة>>. يومها تفوق عليه بويز ب280 صوتا.
بعد ال2000، وجد كميل زيادة <<ضالته>> في <<قرنة شهوان>>، الذي يعتبره <<لقاء مسيحيا غير متعصب أو منغلق وصاحب خطاب وطني>>، من دون أن ينكر أنه لا يزال يحتاج الى تطوير. أما في السياسة فهو اليوم عضو قيادي في <<حركة التجدد الديموقراطي>> التي يؤكد أنها تيار سياسي جديد يجسد الاختلاط والتنوع الذي يحتاجه البلد، وعابر للمناطق والطوائف. يقول بكلمتين أنها <<حركة للمستقبل>>. لكن إحساس زيادة بمارونيته دفعه أيضا للمشاركة في <<المجمع الماروني>> الذي بدأت أعماله في حزيران الماضي <<لقناعتي أن تجديد الكنيسة أمر هام لنهضة وتجديد لبنان ويا ليت في الطوائف الأخرى يحصل الشيء نفسه>>.
زيادة يهوى الموسيقى الكلاسيكية والقراءة التاريخية والروائية عندما يسمح له الوقت. مكتبته الغنية المكتظة <<تزينها>> أكثر من كتاب عن شارل ديغول.