مداخلة الدكتور أنطوان حداد في ندوة مناقشة كتاب "ثورات بلا ثوار" للدكتور فواز طرابلسي المجلس الثقافي للبنان الجنوبي – 26 آذار 2014

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
بداية، اتوجه بالشكر والتحية الى المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، والى الديموقراطي الكبير حبيب صادق. كما أعرب عن سعادتي لمناقشة كتاب الصديق فواز طرابلسي، الى جانب صديقين عزيزين أيضا هما كريم مروة، ونصري الصايغ.
الكتاب يتناول الظاهرة الابرز التي تجتاح حياتنا العربية اليوم، اي الثورات العربية او ما يعرف بثورات الربيع العربي، او الثورات ضد الاستبداد والدكتاتورية. الكتاب (كما صاحبه) متعاطف مع الثورات العربية ويرى فيها عموما خاصية تقدمية ونهضوية، وانا أشاركه الرأي.
سوف احاول في هذه العجالة مناقشة بعض (او ابرز) القضايا والاشكاليات التي يتعرض لها الكتاب، مع تركيز على القسم الاول، اي ما يسميه الكاتب "الدراسات" خلافا ل"المقالات" التي تشكل القسم الثاني والاكبر من الكتاب والتي نشرت في جريدة السفير على مدى الاعوام الثلاثة الماضية. لن اتحدث كثيرا عن النقاط التي التقي معها، وهي تشكل غالبية، انما ساركز ملاحظاتي على نقاط التباين او السجال او التساؤل
طبعا اتفق مع فكرة ان الثورات العربية اعادت الاعتبار الى: مفهوم الشعب (اي مجموع الافراد المتعددي المصالح والقيم والانتماءات)، والى قضية "الشعب يريد" (اي الحق في المشاركة، التي هي جوهر السياسة وجوهر العمل السياسي)، والى حد ما اعادة الاعتبار الى "العروبة" (اعيد تعريف المنطقة على انها "عربية"، مع التحفظ ان ذلك حصل في سياق التعريف السلبي اي الشراكة في المعاناة والقهر والاستبداد).
ابدأ ملاحظاتي النقدية من عنوان الكتاب ("ثورات بلا ثوار")، وأثمّن فيه اصراره على اعتبار ما يجري هو "ثورة" او "ثورات"، حيث ان الامر، رغم العثرات والتعرجات، "لا يقتصر هنا على السياسة بل يطال كافة اوجه النظام القائم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعسكرية" (ص12). وانا اضيف اليها "الامنية" (باعتبار ان الاجهزة الامنية هي الذراع الاساسية للاستبداد، وهي والاستبداد سمة هامة، ان لم تكن الاهم، في الحالة العربية).
في نظر المؤلف، هي اذن ثورات، بدليل انها "تطمح الى تغيير جذري"، وهي أيضا "ذات منحى ديموقراطي تهدف الى تفكيك انظمة الاستبداد"، وهي "اخرجت الى العمل السياسي قوى جماهيرية واسعة من الطبقات الوسطى والفقراء والمهمشين". بنظر الكاتب، نعم هي ثورات، انما ثورات متعثرة. اذن لا بد من وجود مشكلة، والمشكلة هي في "الثوار". هم في رأيه، ليسوا ب"ثوار حقيقيين"، ف"الديموقراطيون هم الابناء الفقراء لتلك الثورات"، و"الليبرالية احتلت محل الديموقراطية، وفي الامر انتحال صفة". اما "اليساريون، الذين شكلوا طليعة ساهمت في كسر حاجز الخوف ... فقد بقي تمثيلهم هامشي وفازوا بعدد متواضع من الاصوات والمقاعد". وهنا لا نتحدث بالطبع عن الحالة السورية التي تتطلب معالجة على حدى.
بنظر الكاتب، وباختصار، تبقى فئتان من الثوار المزعومين يشكلان الجزء الاكبر من الحراك الثوري الراهن: "الليبراليون منتحلو الصفة الديموقراطية" و الاسلاميون بمختلف مشاربهم "اخوان، تكفيريون، جهاديون، سلفيون، معتدلون، وسطيون، متطرفون"، يراهم الكاتب كلهم في صف واحد وتحت شعار واحد: "الاسلام هو الحل"، وهمهم الارتداد على ما في الدولة العربية من عناصر ومؤسسات وتشريعات حديثة ومدنية واستبدالها بمؤسسات وتشريعات قائمة على الشريعة الاسلامية".
برأيي ثمة فجوتان في هذا الطرح. فيه افتعال تناقض غير مفهوم وغير مبرر بين "الليبرالية" و"الديموقراطية". كما ان هناك تعميم مفرط (ان لم نقل تبسيط) فيما يتصل بالاسلام السياسي او الحركات الاسلامية. وهذا ينطوي على تجريد شرائح واسعة من القوى المشاركة في الحراك (في الحقيقة غالبيتها العظمى) من صفتها الثورية، فضلا عن انه يطرح تساؤلا منهجيا كبيرا: كيف لتلك الثورات ان تقوم من دون ثوار؟
في مجال آخر، يعيد فواز طرابلسي القصور في عدم توقع الثورات العربية الى سيادة مقولة "الاستثناء الاسلامي" أو "الاستثناء العربي". وهو محق، فهي نظرية عنصرية بالية لا يساويها بؤسا الا نظرية او مشروع "تحالف الاقليات". المشكلة ان الكاتب ينسب هذه المقولة الى منظومة اوسع يطلق عليها تسمية "خطاب النيوليبرالية المتعولمة واجنداتها المتكاملة والمستنبطة في المنطقة من سلطات ومؤسسات وقوى مدنية واهلية واحزاب ومثقفين"، والتي يضم اليها مكونات معرفية اخرى في السياسة، في الاقتصاد، في الاجتماعيات، وفي العلاقات الدولية (ص23-24).
في رأيي، المكونات المذكورة لا تشكل اطلاقا منظومة متجانسة، بل هي على قدر كبير من الافتعال، ومنتقاة من منابع محتلفة و أزمنة مختلفة، البعض عفى عنه الزمن، والبعض تطور، والبعض تم التخلى عنه، حتى من أصحابه.
مثلا، "النيوليبرالية"، التي هي مذهب اقتصادي متطرف ومثير للجدل الكبير، ليست كل "الليبرالية" التي هي مدرسة عريقة ومتشعبة في السياسة والاقتصاد والاجتماعيات.
كما ان مفاهيم "المجتمع المدني"، "النقصان الديموقراطي"، "الرأسمال الاجتماعي" كلها ليست حكرا على "الليبرالية" بالمعنى الضيق، ف"الاشتراكية الديموقراطية" مثلا هي الاكثر تبنيا لهذه المقولات، وهي قطعا ليست "نيوليبرالية".
في الاقتصاديات، يتحدث الكتاب عن "تفكيك الدولة التنموية". ما هي "الدولة التنموية"؟ ومن هي "الدول التنموية"، في الاطار العربي، وفي الاطار العالمي؟ مصر الناصرية ام اليمن الجنوبي ام يمن علي عبدالله صالح؟ ام ليبيا القذافي؟ سوريا حافظ الاسد او سوريا بشار الاسد؟ كوريا الشمالية ام كوريا الجنوبية؟ صين ماو تسي تونغ ام الصين الحالية؟
في الاجتماعيات، ينتقد الكتاب المقاربات القائمة على "احتساب معدلات الفقر، لا الفروقات الاجتماعية" والتركيز على "مكافحة الفساد وطمس مكونات الاستغلال". هنا أشير ان تلك المقاربة تطورت جذريا مع الزمن، لم تعد "أسود وأبيض"، "ظلم مطلق وعدالة مطلقة"، "نعيم وجحيم"، بل أضحت مقاربات نسبية مع وسائل قياس ومؤشرات ومعايير محددة لتقييم درجة التقدم. والمقاربات المندمجة (اقتصادي/اجتماعي) المعتمدة الآن تحت عنوان "اقتصاد السوق الاجتماعي" تتيح هذا الامر. وهناك تقدم محرز على صعيد المواءمة بين تحسين الانتاج وتحسين عدالة التوزيع وقصص نجاح متفاوتة على هذا الصعيد (النمور الآسيوية، اميركا اللاتينية، حتى الصين).
اما في العلاقات الدولية، فان الرؤية الاميركية الحاكمة لم تعد تستند الى "وحدانية الامن والحرب ضد الارهاب واولويتهما" كما يقول الكتاب. الولايات المتحدة تخلت عن هذه الأولويات خلال ولاية جورج بوش الابن الثانية ولم تنتظر ولاية اوباما، وذلك منذ صدور تقرير مهمة "بيكر-هاملتون" في 2006 والتي أوصت بالانسحاب التدريجي من العراق، مقدمة للانسحاب من افغانستان، ووضعت حدا بالتالي لعقيدة "اولوية الحرب ضد الارهاب".
في مكان آخر، الكتاب يتحدث عن "مفاجأتين" (ص 26-27). المفاجأة الاولى، بحسب الكتاب، هي نزول الملايين الى الشارع، والتي يرى فيها تهافتا لنظرية "النقصان الديموقراطي" لا بل دلالة على "فائض في الديموقراطية". في رأيي، هو لا هذا ولا ذاك. لا يوجد فائض ديموقراطي. نزول الملايين قد يكون له جانب ديموقراطي، لكن وجهه الاهم هو ان الناس طفح كيلها، وانكسر حاجز الخوف لديها، ثم حصل انتقال وبائي او "عدوى وبائية" من بلد الى آخر (تونس فمصر فليبيا وسوريا واليمن والمغرب). واذا اردنا التحدث بدقة عن فائض ما فهو "فائض الكبت" او "فائض القهر" اللذين اخرجا الناس الى الشارع.
من ناحية ثانية، ومن الجانب النظري، فان مفهوم "الفقدان الديموقراطي" Democratic Deficit لا علاقة له بهذا المستوى من النقاش، فهو يتعلق باداء وكفاءة مؤسسات التمثيل السياسي (كالبرلمان والحكومة) وليس باداء الافراد او الجمهور. اما اذا كان المقصود من قبل الكاتب ب"النقصان الديموقراطي" هو غياب الوعي والثقافة الديموقراطيين، فهذا صحيح. نعم هناك تدني في الوعي والثقافة الديموقراطية، واعني هنا القيم الديموقراطية (احترام التعددية، نبذ الفكر الشمولي، نبذ العنف، السلمية، الاصغاء، التفاوض، التسوية العادلة، الخ، كي لا نقول حقوق الانسان عموما). وهذا من طبائع الاستبداد، وعقود (لا بل قرون) من القمع والجهل وسيطرة المؤسسة الدينية التابعة للسلطان/الحاكم على نظام القيم.
المفاجأة الثانية التي يتحدث عنها الكتاب هي ان الانتفاضات انطلقت من الداخل، "على عكس ما التقى عليه ليبراليون محليون مثل خصومهم من اسلاميين وقوميين ويساريين"، كما ورد في الكتاب.
ملاحظة اولى في هذا المجال. عن أي ليبراليين نتحدث؟ وهنا ايضا لا اعرف اذا كان يمكن اقامة علاقة ذات دلالة بين حصول هذه "المفاجأة" والليبرالية، اذ يمكن ايراد العديد من الادلة المناقضة. مثلا في بيروت عام 2003، كنا انا و(الكاتب) فواز طرابلسي والعديد من الاصدقاء، في تظاهرة ضد الغزو الاميركي للعراق، التقى فيها من دون موعد او تنسيق مسبق كل من حبيب صادق "اليساري" مع نسيب لحود "الوسطي-الليبرالي" وفؤاد السنيورة "الليبرالي العروبي".
فضلا عن ذلك، هناك حاجة لقراءة مغايرة ومعقدة لدور الخارج في سقوط الانظمة، خلافا لما يراه الكتاب او الكاتب. اولا هناك عدة "خوارج" وليس خارجا واحدا. ثانيا هناك عدة حالات وليس حالة واحدة. مثلا، الدور الاميركي "الفاعل" كان حاسما في اسقاط مبارك وبن علي وصالح والقذافي. الدور الروسي "الفاعل" (كما "التقاعس الاميركي") كان حاسما في الابقاء على بشار الاسد.
في العودة الى بعض المفاهيم النظرية، يتضمن الكتاب هجوما عنيفا على مفهوم "المجتمع المدني" اذ يقول المؤلف ان نظرية "الدولة /المجتمع المدني" هي الوجه السياسي للنيوليبرالية الاقتصادية. هذا يتطلب بعض التصويب: اولا في التعريف، القطاع الخاص ليس جزء من المجتمع المدني كما ورد في الكتاب. ثم في الديموقراطيات المستقرة و"الراشدة"، المجتمع المدني ليس بديل الدولة ولا منافسها، ولا يجب ان تنسحب الدولة لصالح المجتمع المدني. النظرية في هذا المجال تقول باختصار: مجتمع مدني قوي، ودولة ناظمة فاعلة، وليس بالضرورة دولة قوية، لأن "الدولة القوية أقتصاديا أكثر من اللازم" (اي الدولة التدخلية) قد تؤدي الى الكسل والركود الاقتصاديين، و"الدولة القوية امنيا اكثر من اللازم" قد تجنح الى العسكرة والقمع.
هناك ايضا في الكتاب هجوم غير مفهوم (افتعال مشكل) مع المنظمات غير الحكومية. طبعا تلك المنظمات لا يجب أن تحل محل الاحزاب والحركات السياسية، رغم ان الامر قد يبدو جزئيا على هذا النحو في مرحلة الاختمار الديموقراطي او الانتقال الديموقراطي. لكن في مطلق الاحوال دورها اساسي في تنمية الثقافة الديموقراطية وفكرة المشاركة والتطوعية، وفي ارساء قواعد واصول اللعبة الديموقراطية (الجمعية اللبنانية لديموقراطية الانتخاب LADE هي نموذج فاعل عن هذا الدور).
عودة سريعة الى موضوع الاسلام السياسي: الاسلام السياسي ليس واحدا، ليس من الوجهة المذهبية فحسب، بل من وجهة علاقته بالديموقراطية والحداثة وحقوق الانسان. انا، خلافا لما يرى الكثيرون، ارى امكانية للرهان من دون مجازفة فكرية وسياسية كبرى، على "اسلام سياسي معتدل وديموقراطي". وهناك قصص نجاح محدودة في هذا المجال (تركيا، ماليزيا، اندونيسيا، تونس) كما أن هناك كوارث وفرص ضائعة على يد الاسلاميين انفسهم (مصر)، لكن هذا موضوع متشعب ويستحق معالجة تفصيلية وهادئة.
اخيرا، السمة الابرز للكتاب (أو فرادته الى حد ما) انه يحاول قراءة ظاهرة الثورات العربية من زاوية يسارية، لا بل يرى ان هذه الثورات تشكل بالنسبة الى اليسار "تحديا وجوديا وفرصة تاريخية" لتجديد نفسه وتحديد (او اعادة اختراع) علة وجوده. وهو افرد لهذا الموضوع فصلا كبيرا ومهما من الكتاب تحت عنوان "اليسار في الزمن الثوري: نقاط استدلال". هنا اكتفي بملاحظات ليست بالضرورة متناقضة مع سياق الكتاب. يضع الكاتب معادلة انطلاق مهمة جدا أوافقه اياها، هي ضرورة "تجاوز تيارين في اوساط اليسار: يسار دعم الاستبداد بحجة المسألة الوطنية، ويسار الرهان على التدخل الخارجي سبيلا الى الديموقراطية". باختصار، هذا يعني مصالحة اليسار مع الديموقراطية، ومصالحة الديموقراطية مع الوطنية. هذا جيد لكن يجب التنبه من التبسيط والتعميم والنزعة الشمولية والاطلاق، التي هي برأيي الأمراض المزمنة لليسار.
انا كوسطي (بين اليمين واليسار) في السياسة كما في الاقتصاد، ارى انه هناك حاجة لقطب يساري (فاعل وراشد) في الحياة العامة، سواء في مرحلة الانتقال الديموقراطي، او في مرحلة الديموقراطية، وذلك كي يستكمل الطيف السياسي (المائل بشدة اليوم نحو اليمين) ويتوازن وينتقل الاستقطاب من اولوية حماية التعددية الدينية والطائفية والمذهبية وغيرها من الهويات (والتي هي امر ضروري وبديهي) الى اولوية ادارة التعددية السياسية القائمة على الخيارات والرؤى والمصالح. هذه مهمة سياسية لبنانية عامة وان كانت بالدرجة الاولى مسؤولية "أهل اليسار". وهي بالطبع مسألة تتجاوز موضوع هذا الكتاب المميز الذي استمتعت كثيرا بقراءته ونقاشه.