كلمة أنطوان حداد في تأبين جورج قصيفي جبيل – 5 تشرين الأول 2014

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
سأروي قصتي مع جورج من خلال اربعة محطات او مشاهد.
المشهد الاول:
مقر الاسكوا، بئر حسن (كان اسمها حينه اكوا ECWA) – أيار 1981. هو كان باحثا في قسم السكان، وانا كنت عائدا حديثا من فرنسا لايجاد عمل والاستقرار في لبنان.
الشاب الاسمر اللطيف ذو اللكنة الجبيلية الحادة المحببة، المطعمة بعبارات فلسطينية استقاها من رفيقة عمره ماتيلد، والذي كنت التقيه لأول مرة، امضى زهاء ساعتين يجول بي في طوابق المبنى، يقدمني الى زملائه ويستطلع معهم امكانية اجتذابي الى الاسكوا ولبنان، كأنه يعرفني منذ سنوات.
لاحقا، فهمت ان هذا هو جورج، هذه طبيعته، هذه هي شخصيته الايجابية المنفتحة على كل الناس، على كل انسان، في اي مكان وزمان.
بقينا على اتصال، انما بتقطع، رغم اننا اكتشفنا ان لدينا الكتير من الافكار والتطلعات المشتركة، والاصدقاء المشتركين، خصوصا في البيئة الجامعية والثقافية المتعاطفة يومها مع القضية الفلسطينية، مثل نجيب عيسى وميشال نوفل وانطوان منصور، اضافة بالطبع الى السيد هاني فحص (الذي خسرنا قامته الكبيرة مؤخرا) وحارث سليمان وسعود المولى وكثيرين لن اسميهم كي لا انسى احدا.
المشهد الثاني:
مدينة عاليه (حيث كنت اسكن بعد عودتي الى لبنان)، حزيران 1982 (في خضم الاجتياح الاسرائيلي) – منتصف الظهيرة تحت شمس الصيف الحارقة.
انا في سيارتي البيجو 504 الكحلية في محطة محروقات عند مدخل المدينة محاولا الاستحصال على بضعة ليترات من البنزين (المقطوع منذ عدة أيام).
اذا بخيال رجل يلوح في الافق البعيد آتيا على الطريق الخاوية من ناحية سوق الغرب، التي كانت دخلتها القوات الاسرائيلية قبل بضعة ايام. صاحب المحطة يسأل بين القلق والتندر: من هذا "المجنون" الذي يجازف بحياته في هذه المنطقة المكشوفة امام النيران الاسرائيلية؟ ليتبين لي ان هذا المجازف لم يكن الا جورج قصيفي، نعم، جورج الذي كان في رحلة عمل خارج لبنان اثناء حصول الاجتياح فعاد من طريق دمشق فشتورة ف عاليه محاولا العبور الى سوق الغرب ثم الى عيتات حيث كان بيته وعائلته. فلم يوفق. بالطبع، جورج لم يكن يعلم ان ماتيلد والاولاد كانوا قد غادروا عيتات قبل بضعة ايام الى بيروت، او جبيل.
تعانقنا و"أنّبته" على مجازفته غير المحسوبة تلك، ثم ذهبنا سوية الى المنزل حيث امضينا الليل قبل ان اوصله صباحا الى الكحالة ليتدبر سيارة تاكسي اقلته الى جبيل.
تلك الحادثة-الصدفة، ثم نقاشنا اثناء ذلك الليل الطويل، على دوي ومشهد القصف المتواصل لبيروت، وبرفقة زجاجة شراب لم يتبقى منها قطرة واحدة، سمحا لي بالتعرف عن كثب، فضلا عن شجاعة جورج وتفانيه، الى جوانب عدة في شخصيته: الانسان، رب العائلة، الباحث، الاكاديمي، المفكر السياسي والمناضل الاخلاقي الملتزم.
تلك الحادثة طبعت وجداني وشكلت منعطفا حاسما في علاقتنا ونقطة البداية لصداقة استمرت 32 سنة من دون اي انقطاع او شائبة.
المشهد الثالث:
تشرين الاول 1996 – مقر الاسكوا (انما هذه المرة في وسط بيروت الذي اعيد اعماره). الامين التنفيذي للاسكوا الدكتور حازم الببلاوي (الذي سصبح لاحقا رئيسا للحكومة المصرية) يستدعي على عجل الدكتور جورج قصيفي (الذي أصبح رئيسا لشعبة التنمية البشرية) ليطلعه على احتجاج من الحكومة اللبنانية حول دراسة قامت بها الشعبة عن الفقر في لبنان وهي تشكل في نظر الحكومة تشويها لصورة البلد واساءة لجهودها، الخ...، ويسأله عن هوية واضع الدراسة (انطوان حداد) وكيف توصل الباحث مثلا الى احصاء او تعداد مليون فقير في لبنان، ليخلص الى الطلب منه تجميد تلك الدراسة وسحبها من التداول تفاديا لأزمة حادة مع الحكومة اللبنانية.
جورج رد بحزم وبساطة (واحترام طبعا): هذه دراسة عهدنا بها الى اكاديمي محترف وفق دفتر شروط وضعناه في الشعبة ووفق منهجية معتمدة دوليا، وقد اخضعت للتقييم فوجدناها تستوفي كل شروط النشر. اذا ارادت الاسكوا سحبها فلتفعل ذلك من دوني، وليتحمل كل مسؤولية افعاله.
انتفض الببلاوي سائلا: وماذا تترك لي من خيارات؟
جورج: اقترح ان تنقل هذا الكلام حرفيا للحكومة اللبنانية، وان تعلمها ان ما قمنا به في الاسكوا يشكل خدمة للبنان، لأن اي معالجة سليمة لاوضاع اي بلد يجب ان تنطلق من تشخيص دقيق لامراضه وليس من المسايرة او المحاباة.
وهكذا كان. ذهب الببلاوي عند الرئيس رفيق الحريري (رحمه الله) واقنعه بوجهة النظر هذه. الحريري بدوره دعاني الى اجتماع واستمع مني الى وجهة نظري والى نتائج الدراسة بحضور الدكتور باسل فليحان (رحمه الله) والدكتور رضوان السيد. كان ذلك لقائي الاول مع الرئيس رفيق الحريري بعد تسلمه رئاسة الحكومة، لكنه كان فاتحة علاقة عمل وصداقة بيننا انا وجورج وبين باسل فليحان استمرت حتى استشهاد باسل في ربيع 2005.
في ضوء ذلك، لمسنا ان الحكومة بدأت تتخلى (ولو جزئيا) عن سياسة الانكار في هذا الموضوع وفي موضوع السياسة الاجتماعية عموما.
الاهم، ان تلك الدراسة (وتلك الحادثة) شكلت فاتحة لحركة ابحاث ودراسات طويلة عريضة حول القضايا الاجتماعية وسوق العمل ومكافحة الفقر وتحسين المعيشة، سواء على مستوى الاسكوا (حيث تحولت شعبة التنمية البشرية بادارة جورج الى خلية نحل وما يشبه "غرفة عمليات مركزية" لسياسات مكافحة الفقر) او على مستوىUNDP او الوزرات والدوائر التابعة للحكومة، او دار التنمية التي اسسناها جورج ونجيب عيسى وانا، وغيرها من المكاتب الاستشارية وهيئات المجتمع المدني، وحتى ولو كنا لاحقا، جورج ونجيب وانا، غير راضين تماما عن مسار ومآل هذه الابحاث والبرامج.
المشهد الرابع:
بيروت، خريف 2001 – هاتفي يرن، لأرد على اتصال من جورج الذي كان في رحلة طويلة في الخارج (في كندا على ما اعتقد) معاتبا وممازحا: أنطون! (كما كان يحلو له ان يناديني) كيف تستغيبني وتطلقون حركة سياسية من دوني؟ وهو الذي كان يعتبر اننا تعاهدنا (ضمنا بالطبع) على العمل سوية في كل المجالات، المهنية والفكرية والسياسية.
ما هي الا أشهر وجرجي (كما يحلو لي بدوري مناداته) ينضم الى حركة التجدد الديموقراطي. فاضافة الى صداقتي المديدة معه، كان جورج على علاقة وطيدة مع نسيب لحود، وكانت تشده اليه، عدى شخصيته الكارزمية وملامح رجل الدولة، الرؤية الى لبنان اللاطائفي والى قضايا الاصلاح والتنمية والعدالة الاجتماعية والعلمانية والعروبة الحضارية المتحررة من قيود التعصب والقبلية والجاهلية.
جورج، الذي لم يستهوه يوما العمل الحزبي المتزمت او السياسة التقليدية او الطائفية، وجد في حركة التجدد وفي صيغتها المنفتحة والتعددية والمرنة موضع نشاط سياسي راق لا يحمل الكثير من الادعاءات والبطولات والاساطير، ومختبر حوار وانتاج للافكار الاصلاحية والسياسات العامة، وملتقى مدني عابر للطوائف والانتماءات الاولية، ومرفأ راحة فكرية وسلام ذهني. فكان من خلال عضويته في الهيئة الوطنية لحركة التجدد من اشد المواظبين على نشاطاتها واجتماعاتها.
في السياسة، اكثر ما كان يشغل بال جورج هو خطر الطائفية، وكان يستعجل قيام دولة لبنان اللاطائفي، وهو وضع مسودة مشروع تفصيلي حول هذا الموضوع جال بها عواصم العالم بحثا عن الدعم والتمويل.
واكثر ما كان يعتبره جورج ملحا هو تمكين وتسليح الجيش اللبناني كي يصبح بديلا عن كل سلاح آخر.
وكان هذان الموضوعان محور تعبيره وتركيزه الدائم، داخل حركة التجدد وخارجها.
وقد اقامت حركة التجدد الاسبوع الماضي ورشة عمل اكاديمية سياسية مخصصة لموضوع تمكين الجيش، واهدتها لذكرى جورج، تلك الذكرى التي ستبقى حاضرة ابدا مع ضحكته المدوية، وروحه المحبة، وصراحته غير الجارحة، وصدقه واخلاصه وتفانيه، ومزاجه الطيب وعشقه للحياة الذي يدخل البهجة والسعادة الى قلب كل من عرفه او صادقه او عمل معه.
صديقي جورج
خفف عن منكبيك هموم لبنان والعرب والدنيا، أرح نفسك العزيزة الابية حيث تستريح. فالقيم النبيلة التي آمنت بها لن تموت، والذكاء والامل والفرح والمودة التي زرعتها في وجودنا لن تزول.