حارث سليمان: الحراك خلق ساحة للعمل المدني المواطني

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
ردا على سؤال: هل الحراك في لبنان كان حراك شعبي عفوي كما في العراق او كان وراءه اي جهة معينة، يجيب سليمان انه كما في بغداد كذلك في بيروت، ففي بغداد كانت قضية الكهرباء هي "القشة التي قسمت ظهر البعير"، وفي بيروت كانت النفايات هي التي "قسمت ظهر البعير". لكن هذا "البعير" كان قد حُمّل بمحمولاتٍ سياسية وبفشلٍ خدماتي كبير. في الواقع ثمة أشياء مشتركة بين لبنان وبين العراق، هي المحاصصة الطائفية المفتوحة على الفساد، والانقسام المجتمعي، وممارسة السياسة من خلال الغرائز الطائفية والانقسام المذهبي. فقد تم تأمير أشخاص على راس مجموعات من هذه الطوائف والاحزاب الطائفية و هذه الاحزاب اقفلت المجال العام امام الجمهور واصبحت السياسة خارج الافكار، أصبحت السياسة على قاعدة الانتماء والهوية البدائية، فتم تغييب المصالح الحقيقية للمواطنين كالخدمات والمرافق العامة. وتم انشاء منظومة فاسدة من العلاقات المالية المشبوهة القائمة على الاستئثار بالسلطة والاثراء الغير المشروع. هذه السمات هي سمات مشتركة بيننا وبين العراق، وإن كنا نحن في لبنان سباقين الى هذه المنظومة والعراقيين بدؤا فيها بعد الاحتلال الاميركي لبلادهم، ينفجر دائما هذا الفشل في بناء دولة حديثة ديموقراطية عابرة للطوائف قادرة على تسيير آليات الدولة بمرافقها العامة وبخدماتها من كهرباء وماء وتعليم وصحة الخ، دولة قادرة على أن تحفظ المال العام والاملاك العامة وتحسن تسيير البلاد والمؤسسات الدستورية دون أن تُعطّل، وقادرة على أن تفي بالاستحقاقات الدستورية وكالانتخابات البلدية والنيابية والرئاسية. إذا ثمة جبل من الفشل السياسي لقوى سياسية راكمت فشلها وعجزها واتت مناسبة وشرارة، ففي العراق كانت الكهرباء هي الشرارة وفي لبنان كنت النفايات، ولذلك فإن هذا الحراك المدني أتى على قاعدة فشل هذه القوى السياسية في أن تتكوّن وأن تتمظهر مجتمعياً وسياسياً من أجل حل مشاكل البلد وتسيير امور الوطن والدولة.
رداً على سؤال آخر حول ما : اذا كان هذا الحراك يريد التخلص من "الطبقة الفاسدة" كما يقول المتظاهرون التي انهكت البلاد ام ربما التوصل الى نموذج جديد من الحكم لا يقوم على ديموقراطية المكونات، يجيب سليمان ان العمل المدني العابر للطوائف القائم على فهم سياسي مختلف وحديث، والذي يعتبر المرافق العامة هي حق مواطني في دولة حديثة، كان هذا النوع من السياسة محصور في النخب، والاندية الثقافية ومقتصر على بعض الساحات البسيطة في ندوات وورشات محدودة. الساحات الجماهرية لم تكن لتسمح الا للعمل الطائفي، فكانت الحشود حشوداً طائفية او حشود سياسية من خلال الانقسام السياسي اللبناني، اي بين 8 و14 آذار، ومداد هذه الحشود كان ذات عصبٍ طائفي. الجديد في هذا الحراك المدني ان العمل المدني العابر للطوائف القائم على المصلحة العامة والمصلحة المواطنية والعمل المواطني العام قد انطلق من الزوايا الصغيرة الى الساحات. اصبح هناك واقع جديد في لبنان ان هناك ساحة للعمل المدني وتكوّناً للرأي العام وامكانية للقيام بسلسلة من المبادرات المواطنية اكان في قضية النفايات ام في قضية الكهرباء ثم في قضايا مواطنية اخرى، وبالتالي ان هذا الحراك بدأ ينتج. فقد انتج هذا الحراك اولاً وقف المناقصات المشبوهة التي كانت تجري فيها محاصصة غير سليمة. واجبر الحكومة على أن تفي بالتزامات محددة طلبها المتظاهرون في موضوع النفايات. الان يتجه الحراك الى التجزر والاستمرار والانتقال من قضية مواطنية الى قضية مواطنية اخرى، طبعاً هذا الرهان ليس مضموناً 100% فالحراك ما زال بحاجة الى تطوير وتوحيد رؤية، فهذا الحراك قد أتى من مشارب مختلفة ويضم شباباً تجربتهم السياسية ما زالت في طور البناء. وبالتالي ما أُنجز في لبنان مسألتين، المسألة الاولى انه اصبح هناك ساحة للرأي العام المواطني المدني العابر للطوائف وهي فاعلة، والمسألة الثانية ان هذه الطبقة السياسية قد وُضعت في دائرة الاتهام وهو ما عبر عنه المتظاهرون بعبارة "كلكن يعني كلكن" اي انه لا استثناء لاحد، وكل الطبقة الحاكمة هي فاسدة.
هذا الحراك هو عمل تأسيسي مواطني، يتجاوز الطائفية بالممارسة لذلك هتف المتظاهرون الشباب "الشعب يريد اسقاط الطائفية" هو لا يريد اسقاط النظام بمعنى الذهاب الى الفوضى. هم يهتفون ضد نظام المحاصصة الطائفي ولكنهم يريدون بناء دولة حديثة ديموقراطية تستطيع أن تلبي احتياجات الاجيال الجديدة. بالتالي هذه أرضية مشتركة لكل المواطنين اللبنانيين بمعزل عن انتمائهم الطائفي.
وفي سؤال ثالث حول الصيغة التي يمكن ان يطرحها هذا التحرك على المدى المتوسط، يجيب حارث سليمان أن الحراك سيستمر بمبادرات مواطنية قد تنتقل من ملف الى اخر ويراكم وعياً وثقافةً ويتجاوز تشكّل القطيع، فثمة بعض تشابه بين ما يجري في العراق وما يجري في لبنان في مسألة الانقاسم المجتمعي والفتنة والانقاسم السني الشيعي، اليوم هذا الحراك المدني يعيد توحيد الساحات وتوحيد المواطنين في ما بينهم الرافضين لهذا الانقسام القائم على الجماعات والرافضين للطائفية. فهم يسعون الى الوحدة القائمة على المصالح الوطنية ومصالح المواطنين.