قراءة في الحراك المدني وتداعياته بقلم ميشال عقل (السفير)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
بعد حراك «سلسلة الرتب والرواتب» الذي دام نحو سنتين (2013-2014) وأفشلته الطبقة السياسية الاقتصادية القابضة، اعتقد كثيرون وأنا منهم، أن هموم وانشغالات اللبنانيين المتفاقمة الموزعة بين الحرب في سوريا وتداعياتها اللبنانية، وبين شلل المؤسسات الدستورية وانعكاساتها الداخلية، ستكون كافية وكفيلة لاستمرار تحكُّم هذه الطبقة بما لا يمكّن أي طرف صغيراً كان أم كبيراً، من الخروج عن طاعتها والإفلات من شبكتها الجهنمية المُحكَمة الحبك والإغلاق. هذه الطبقة توهّمت أنها تمكنت من اقامة مظلة واقية أبدية تستطيع الاحتماء بها لكي تستمر في إدارة الأزمات وإنتاجها واستدامتها حتى تتغيّر المعادلات، فتذهب الى التسوية الصفقة المعهودة بين مكوناتها، كما في كل مرة. لكن هذه المرة، تجاوزت هذه الطبقة كل الخطوط الحمراء وبالغت في نهب الدولة ومرافقها والعبث بمصالح الناس حتى أبسطها وأعدلها، خصوصاً تلك المتصلة بمعيشتهم وصحتهم وحقوقهم البديهية. واذ بها تنزلق على قشرة «سوكلين» فتتعرّى بما يشبه «الستربتيز» حتى آخر ورقة تستر عُريها. هكذا خرجت السرقة المنظمة بالمحاصصة مدى عشرات السنوات، من الكواليس الى العلن دون حياء، متحدية اللبنانيين برمي النفايات في وجههم ووضعهم أمام مأزق لا طاقة لهم على التدبر بشأنه، كما فعلوا سابقاً بالماء والكهرباء والمدرسة والمستشفى. هذه الطبقة «الذكية» تحركت تحت قناعتين، الأولى أن الشعب اللبناني المخدر بالطائفية والمذهبية و «داعش» والإرهاب والرئاسات والحقوق الفئوية، المُحاصر بلقمة العيش وهاجس الأمن، لن يتحرّك. والثانية أن رائحة أكوام وجبال النفايات وسمومها التي تجتاح البلاد سوف تشكل ضغطاً قاتلاً غير مسبوق يُعيد «سوكلين» وحلفاءها مرفوعين على الأكتاف.
29 آب محطة كبرى في تاريخ لبنان
فاجأ المجتمع المدني هذه السلطة المستكبِرة وشركاءها في المنهبة الاقتصادية المالية المستعرة، فانتفض وخرج عن صمته. تظاهرة 29 آب الشعبية، المدنية، الشبابية، العابرة لكل الطوائف والمناطق والأحزاب، تجد خصوصيتها الابرز في مشاركة الاجيال الجديدة والنسوية بخاصة. هذا الحراك المدني الديموقراطي المطلبي الحر، استقطب طلاب الجامعات والعمال والمهنيين والعاطلين عن العمل والمهمّشين والعائلات والمعوقين… الى فنانين وصحافيين ومثقفين وكتاب وشعراء ملتزمين بقضايا الناس والمجتمع، لكنه يتركز أساساً على دينامية وحيوية المجتمع المدني اللبناني ومنظماته الناشطة التي تقاطعت لأول مرة في تاريخ لبنان الحديث فصنعت هذا الحدث الوطني الاستثنائي.
ولعل أهم المحققات تمثل بنزع الحرمة والقداسة عن الطبقة السياسية ورموزها بمن فيهم بعض رجال الدين. هذا يحدث لأول مرة وبهذه الحدة والعلنية، ومن دون استثناء، فتمكّنت هذه الحملة من مَرْمَغة صورة الطبقة السياسية وأوصلتها الى الحضيض، بحيث أصبح من المستحيل بعد اليوم ترميمها عبر المساحيق وعمليات التجميل. إن وضع أطراف الطبقة السياسية برمتها في قفص الاتهام او الدفاع عن النفس أو التبرؤ من الفساد أو اللجوء الى تبني شعارات ومطالب الحراك، يُعتبر إنجازاً نوعياً لا سابق له ولا يمكن تحقيقه بهذه السرعة وهذا المستوى. لذا لجأت أجهزة الطبقة السياسية وأدواتها وميليشياتها الى العنف والقمع لإرهاب المشاركين، والى عمل محترف مخابراتي يهدف الى تشويه صورة الحراك خلال تشويه صورة بعض قادته من اركان المجتمع المدني، ففتحت الملفات الشخصية واتهمت بعض القادة بالعمالة والتمويل من الخارج والارتباط بالسفارات، وما الى ذلك من تهم فارغة، معظمها بل كلها يرتد الى أصله ومطلقيه.
منجزات الحراك
إن أبرز شعارات هذه الحملة الى جانب «طلعت ريحتكم» هو «كلن يعني كلن» الذي رُفع بعناد والتزام ليس من اجل الاساءة الى قلة نادرة تشارك أو شاركت في السلطة، بل من أجل التأشير الى فساد الغلبة الساحقة، والى التذكير بمقولة أينشتاين «إن الذين يتفرجون او يسكتون عن فعلة السوء ليسوا أقل سوءاً منهم». وفي قاموس الفساد، الشراكة والمقايضة والتنافع والمحاصصة عملة واحدة. ولا يمكن لإنسان او جهة تشارك في «مزبلة» مدى سنوات من دون أن «تطلع ريحتها». قلة على ما أعرف، بمدى خمسين سنة، عَرَفوا هذا وخرجوا، أذكر منهم: إميل البيطار، سليم الحص، هنري إده، نسيب لحود، شربل نحاس، وريمون إده الذي استحقّ لقب ضمير لبنان.
واذا عدنا الى ملف النفايات فيمكننا أن نحصي مجموعة كبيرة من المنجزات، تبدأ بوقف المناقصات «للمهزلة السوكلينية»، وصولاً الى المشاركة العلمية في خطة الوزير أكرم شهيب الإنقاذية، مروراً بتحرير أموال البلديات وإعادة إحياء فكرة اللامركزية الادارية - الانمائية المشوّهة بغوغاء الطائفية والمذهبية.
أما الإنجاز النوعي الاهم في هذا الحراك فقد تمثل في الوعي البيئي الوطني المتعاظم الذي بلغ كل مواطن وعائلة ومدرسة ومنظمة وحكومة محلية… حتى اصبح كل لبناني فقيهاً في المسألة البيئية، وهذا انجاز ثقافي - علمي - صحي ستكون له مفاعيل إيجابية على صعيد احترام البيئة وطرق التعاطي مع الثروات الطبيعية مستقبلاً.
يمكننا أن نلفت أيضاً الى جملة من التداعيات مستولدة من الحراك سنذكرها سريعاً باعتبارها من الهزات الارتدادية للهزة المركزية وهي متفاوتة القوة والأهمية. من مثل انشاء مرصد للفساد في أحد الأحزاب اللبنانية، ورفع أكثر من شكوى أمام النيابة العامة المالية بوجه «سوكلين»، الى تحريك ملف السياسيين الذين لا يسدّدون فواتير الكهرباء، الى فتح جزئي لملف «بنك المدينة»، الى إعداد ملفات من قبل ناشطين وخبراء للإدعاء بموضوعَي «الدالية» و «زيتونه باي»، إلى تحرك النيابة العامة بملف الأملاك العامة البحرية… وسواها. كما لا يمكننا أن نغفل ذكر بعض المظاهرات والاعتصامات الرمزية باتجاه كهرباء لبنان، ومصلحة الواردات في وزارة المالية، ووزارة البيئة، وكورنيش المنارة، والضمان الاجتماعي،… التي تؤشر الى مواقع أخرى للفساد ووجهات الحملات المقبلة، بعد أن تكون الحملة الأولى المركزية قد ارتاحت الى نجاحها الأول المتمثل بملف النفايات من خلال الحل الجاري إنجازه، الذي يبدو مقبولاً من النواحي البيئية والعلمية والوطنية، وحيث لا يختلف إثنان في مدى وتأثير الحراك والخبراء فيه إيجاباً، باعتراف الجميع وفي مقدمتهم عرَّاب الخطة الوزير أكرم شهيب. أما الى الذين يتباكون على الوسط التجاري وأزمته، فأقول لماذا سكتّم على محو ذاكرة الشعب والمدينة والأسواق الشعبية وقبلتم بإلغاء مراكز العموم والثقافة باستثناء الكنائس والجوامع وبعض المؤسسات الرسمية، التي تبقى هي أيضاً خالية، كما الأسواق، على مدار السنة؟ رحم الله هنري إده وعاصم سلام اللذين نبَّها الى عيوب المخطط الإعماري لوسط بيروت، وقد عرفا انه آيلٌ الى الفشل طبقاً لثقافتهم وعلمهم ووطنيتهم. وشكراً «لأبي رخّوصة» القِّمة في طغمة الرأسماليين اللبنانيين، الذين ذكَّرونا بمفاهيم القرون الوسطى للرأسمال الغبي. يهاجمون الشيوعية وبعض قادتها ويتّهموهم بالتحريض الطبقي والحقد على بيروت العاصمة، كأنهم ينتمون الى جمعيات خيرية إنسانية لا دخل لها ولا دور في تعميق الهوة بين مكوّنات المجتمع وطبقاته!
التخطيط للمستقبل
على الحراك أن يسهر على مولوده الأول، خلال مواكبة تنفيذ مشروع النفايات وفق خطة الوزير أكرم شهيب، على المستويات البيئية والصحية والمالية والتعاقدية، بشفافية وعلمية وعلنية، بما فيه الاطلاع على دفاتر الشروط والعقود والأسعار مع الشركات المعتمدة للمعالجة، والسهر على مطابقة المواصفات مع المعايير الدولية الصحية والبيئية. وحتى لا نصل الى المأزق الذي نحن فيه مرة جديدة، ينبغي المطالبة بوضع أجندة رسمية مُعلنة وبرنامج عمل مُفصل يحدّد الاستحقاقات والمهام والمسؤوليات لسائر الأطراف الرسمية وغيرها المسؤولة عن هذا الملف، وتحديد المراحل بغية الالتزام الكامل بالتنفيذ وتسهيل المراقبة من قبل الهيئات الرسمية والمدنية المتابعة والرأي العام. إن هذه الأزمة تعطينا درساً جديداً بضرورة التخطيط والتصميم في كل مسألة ووضع التصورات والسيناريوهات اللازمة لها. وهذا ما تقوم به في كل دول العالم وزارة مختصة هي وزارة التصميم والتخطيط، الملغاة في لبنان منذ سنة 1970، وهي المولجة حصراً وفي كل تجارب العالم بأن تضع المخططات لسائر قضايا وموارد ومستلزمات الإنماء الشامل. أزمة النفايات التي نمر بها سوف تتكرر في كل مرفق إذا ما بقينا من دون «أم الوزارات» ومن دون خطط طويلة الأمد لكل الملفات والقضايا.
يفترض أيضاً فتح ملف الكهرباء والعمل على المطالبة بتغذية 24/24 من دون أي تراجع حتى تحقيق هذا الهدف، لما له من عائدات على مستوى الافراد والعائلات والمؤسسات والمرافق كلها، خصوصاً منها الصناعية التي تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، وحتى إلغاء الفاتورتين وإسكات المولدات وإزالة مافياتها. ويعرف كل مواطن أن هذه المشكلة المزمنة كلفته ما يزيد على 30 مليار دولار أي ما يساوي 50 في المئة من الدين العام، عدا الأكلاف المدفوعة للمولدات، التي لا تنتج فقط الطاقة، بل أيضاً السموم والتلوث والأضرار الصحية والبيئية.
بعد الكهرباء يمكن التوجّه نحو ملف الأملاك العامة البحرية الدسم الذي تفوح منه روائح الطبقة السياسية من أقصى الشمال الى أقصى الجنوب، خصخصة وحصحصة وتعديات على كل الشاطئ اللبناني، أبطالها معروفون بالأسماء الثلاثية. هذا الملف موثق في وزارة الأشغال العامة ومصلحة الهندسة في الجيش اللبناني، وهو بمتناول الناس والإعلام والسياسيين. أجزم أنه في حال وضع اليد عليه، هدماً للمخالفات الكبرى التي لا تجوز تسويتها، وتسويةً للبعض الآخر مع مفاعيل ورسوم رجعية طبقاً لتاريخ الإنشاء والإشغال، يمكن تأمين عائدات تزيد على مئتي مليون دولار أميركي سنوياً من دون احتساب المفاعيل الرجعية. رحم الله النائب وديع عقل.
يفترض كذلك المطالبة برفع السرية المصرفية عن كل السياسيين والنواب والوزراء ورؤساء البلديات وموظفي الفئة الأولى والجسم القضائي وكل المتعاطين بالشأن العام، وإلزامهم قانوناً بتقديم تصاريح عن أموالهم وثرواتهم قبل تسلم الوظيفة وبعده، وتطبيق «قانون من أين لك هذا؟». وكذلك المطالبة بتفعيل مؤسسات الرقابة وديوان المحاسبة والتفتيش المركزي وصولاً الى تفعيل القضاء وصيانة استقلاليته باعتباره سلطة فوق السلطات، ورفع الوصاية السياسية عنه تطبيقاً لمبدأ فصل السلطات. ويجب الاستمرار في المطالبة باللامركزية الإدارية - الإنمائية وتحرير البلديات من وصاية السلطة السياسية باعتبارها حكومات محلية منتخبة بالاقتراع المباشر الشعبي، ولا يمكن لأي هيئة أو سلطة أن تُمارس عليها وصاية، خصوصاً عندما تكون الأخيرة معيَّنة. إضافة إلى تحرير أموال البلديات من الصندوق المستقل ومن سائر الوزارات التي تجبي رسوماً وعائدات لمصلحتها، وتفعيل اتحادات البلديات لتقوم بالمشاريع المشتركة في كل قضاء.
وينبغي استمرار المطالبة بقانون انتخابات على قاعدة النسبية وإلزام السلطات المعنية بالعمل على إقراره، وتحديد موعد الانتخابات، خصوصاً أن معظم الطبقة السياسية، بالقناعة أو بالتوبة، أخذت تطالب بهذه الوجهة، وهذا ما فعله الحراك الشعبي الذي عليه أن يدفع بهذا الاتجاه بقوة، خصوصاً أن اللحظة تبدو مؤاتية، وأن هذه الطريق من شأنها أن تنتج ديناميات ليس فقط على مستوى إصلاح وشمولية التمثيل فحسب، بل أيضاً على مستوى إحداث متغيرات في البنيات الاجتماعية السياسية، بما يؤدي الى سلوك طريق ديموقراطي فيه طاقة ذاتية للإصلاح والتطوير.