استاذ القانون الدولي د. شفيق المصري لـ"الشراع": التحقيق من ميليس الى بلمار متكامل والمحاكمة لن تتوقف

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
* اذا كانت المحكمة ستتعرض لمخاطر سياسية، فستكون في مسألة تنفيذ الحكم
* التحديات التي تواجهها المحكمة ليست بنيوية ولا مبدئية بل وظيفية
* حالتان مضيئتان في تاريخ لبنان: فؤاد شهاب ورفيق الحريري
مع اقتراب المحكمة الدولية الخاصة بلبنان من العام الاول على انطلاقها، ومع التحضيرات الجارية في لاهاي استعداداً لبدء جلسات المحاكمة، ومع تواصل التحقيقات المتكتمة التي يجريها المدعي العام في المحكمة القاضي دانيال بلمار، تمر ذكرى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، اسئلة كثيرة تطرح نفسها، منها ما هو وجداني وبعضها سياسي وقانوني.
((الشراع)) ارادت ان تسلط الضوء على الشق القانوني في ملف اغتيال الرئيس الحريري، وعلى مسيرة المحكمة الدولية من خلال هذا الحوار مع الخبير القانوني الدكتور شفيق المصري.
# بين ميليس وبلمار، كيف ترى مسيرة التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الحريري؟
- موضوع المحاكمة العائد لاغتيال الرئيس المرحوم رفيق الحريري يتوزع في الواقع على ثلاث مراحل: المرحلة الاولى هي مرحلة التحقيق، والمرحلة الثانية هي مرحلة تقرير المدعي العام، وهو التقرير المبني على التحقيق، والمرحلة الثالثة هي المحاكمة.. التحقيق متكامل، بمعنى ان الذين تولوا رئاسة فريق المحققين يقومون بعمل واحد وهو التحقيق، قد يأخذ الخلف من بعض ما تركه السلف، ولكن الموضوع متكامل وواحد، اي عندما ينتهي هذا التحقيق، وقد انتهى في معظم مراحله، يعرض على المدعي العام الذي اذا رأى ذلك ضرورياً، يقوم باستكمال بعض النواحي من هذا التحقيق، ومن ثم يقدم في خلاصته التقرير الاتهامي الى قاضي ما قبل المحاكمة، فمسألة ميليس او بلمار، هي مسألة شاغلي مناصب في الواقع من اجل تحقيق غاية واحدة وموحدة، هي مرحلة التحقيق يعني لا نرى ماذا قام به المحقق الاول وماذا وصل اليه المحقق الاخير في عملية واحدة.
# برأيكم، اذا اتبعنا الرسم البياني للتحقيق، الى اين سيصل؟
- التحقيق في اطاره القانوني يجب ان يصل ملخصاً الى تقرير اتهامي يعرضه المدعي العام الذي هو آخر محقق، وما يزال يشغل منصبين، على قاضي ما قبل المحاكمة (Pre-trial Judge) وهذا القاضي هو الذي يقدم التقرير مع توصيات او اقتراحات اخرى الى المحكمة، وفي هذه الحالة تبدأ المحاكمة.
# وهل يمكن لبلمار، ان يفصل بين كونه كان رئيساً للجنة التحقيق وبين وظيفته كمدع عام للمحكمة؟
- في الواقع الموضوع ليس موضوع فصل، بل الموضوع معه اصبح موضوع وصل، بمعنى انه قال نقدم تقريراً، وبحق بعض الاشخاص او بصدد بعض الامور، ويمكن ان نتابع التحقيق بصدد امور اخرى، وبالتالي العملية متكاملة بين استكمال التحقيق وبين تقديم التقرير، فهو يقوم في الواقع بعملية وصل، ولكن الآن، صفته الحالية هي صفة مدع عام، وله طبعاً معاونون ونائب مدعي عام القاضية اللبنانية المعروفة.
# ارتاح معظم اللبنانيين لعمل بلمار في مراحل التحقيق، لكن بعضهم يشكك في عمله كمدع عام او بمعنى آخر هناك تميز بين بلمار الاول وبلمار الثاني وبلمار الثالث، ما رأي حضرتك من خلال متابعتك لهذا الملف ولعمل بلمار؟
- لا استطيع ولا يستطيع احد في الواقع ان يميز بين هذه المراحل المتعددة من عمل السيد بلمار، لاننا لا نعرف التفاصيل التي قدمها والتي هو بصدد تقديمها، فالموضوع نأخذ منه ما تعهد به وقد تعهد الرجل بثلاثة امور، انه لن يقدم اي تقرير اذا شعر انه غير مرتاح له، انه لن يقدم اي تقرير اذا كان هذا التقرير ناقصاً ببعض وجوهه او في بعض تفاصيله، وانه سيسعى الى الجرأة الموضوعية في عرض الامور كما توصل اليها، هذه في الواقع ضمانات تعهدها الرجل، ولا نستطيع ان نشكك او لا يحق لنا ان نشكك، ولا سيما اننا لا نعرف التفاصيل من جهة، هو من جهة اخرى حريص كما يقول، على الاستكمال الصحيح لهذا التقرير الذي قدمه ثم ان الضمانات لا تتوقف فقط عليه، بل هي ستخضع او ستقدم من قبل قاضي ما قبل المحاكمة، والمحاكمة بالذات التي ستكون علنية، والتي ستعتمد كل معايير القانونين اللبناني والدولي من أجل التوصل الى العدالة الدولية كما اعلنت المحكمة مراراً.
لا توجد مخاطر
# لكن هل هناك مخاطر سياسية او مالية او أمنية على استمرارية المحكمة؟
- سأقول قناعتي، كلمة مخاطر سياسية، يمكن ان ترد ليس الآن هذا اذا كانت سترد، بل في مسألة تنفيذ الحكم، يعني الحكم يمكن ان يصدر عن المحكمة ولكن مدى قابلية هذا الحكم الى التنفيذ، هنا لا اقول قد يوجد تدخل سياسي بل ربما ضغوط سياسية محددة.
وبالنسبة للمخاطر المالية، الحكومة اللبنانية تعهدت حتى الآن بما يكفي لتغطية جزء او النسبة المئوية من هذه النفقات، ولكن ضمن الضمانات المالية ايضاً، وهذا عرف متبع لدى المحاكم الدولية، هناك مادة في القرار 1757، تقول انه اذا عجزت الحكومة اللبنانية عن الاستمرار في تأمين التغطية المالية للمحكمة، يمكن للامين العام ان يبحث عن تغطية هذا العجز من خلال ما تتبرع به دول اخرى، وهذا التبرع جرت عليه المحاكم منذ محكمة رواندا عام 1994، ورد النص ذاته، وبالتالي هناك استدراك لأي مازق مالي قد تقع به المحكمة في المستقبل.
اما المخاطر الامنية، فعندما تحدث رئيس المحكمة مؤخراً في طاولة مستديرة عن مسألة المحاكمة والاستماع الى الشهود، قال انه قد يعتمد عملية الفيديو كونفرنس بالاستماع الى الشهود، يعني ليس من الضروري استحضار الشهود بل يمكن التواصل معهم عبر هذه الطريقة، اي الحديث مع هؤلاء عن بعد بواسطة تقنية التواصل الالكتروني من دون تعريض هؤلاء الى المخاطر، وبالتالي هذا نوع من الاستدراك التقني الذي ستقوم به المحكمة، قد يكون من أجل سلامة الشهود.
# وهل تنحصر المخاطر الامنية بالشهود فقط، أليس اتهام جهة معينة او فريق معين قد.
- (مقاطعاً) هذا ممكن ان اضعه في الاطار السياسي، ولكن المحكمة لها الحق اذا ما اصدرت حكماً، ولم ينفذ اما بسبب عدم مثول المتهم، ويصبح في هذه الحالة مداناً، او لأسباب اخرى، ان تصدر حكمها غيابياً وتكلف الانتربول بملاحقة الشخص المطلوب.
# هل انت متفائل بالتوصل الى نتائج ملموسة؟
- انا اؤمن ان هذه المحكمة ضرورية ضمن النطاق الدولي لمحاكمة ومعاقبة مرتكبي الارهاب، وبما ان الارهاب اليوم اصبح مادة لكل السياسات الخارجية لكل الدول، وبالتالي هناك حرص دولي على إقرار هذه الآلية القضائية، وعلى تفعيل عملها ايضاً، في المبدأ ايضاً، انا اؤمن ان هذه المحاكمات قد تأخذ وقتاً، ولكنها لن تتوقف في منتصف الطريق.
# وهل تتوقع ان تأخذ وقتاً طويلاً؟
- قد تأخذ وقتاً، اذكر مثلاً المحكمة الخاصة بيوغوسلافيا السابقة، هذه المحكمة انشئت منذ العام 1993 وما تزال قائمة، يعني يمكن ان تستغرق وقتاً اطول، ولكنها لا تتوقف في منتصف الطريق، لا سيما وأن ثمة قرارين مستندين الى الفصل السابع يؤكدان الاستمرار في هذه العملية، القرار 1636 المتعلق بإلزامية التحقيق والقرار 1757 الخاص بالتصديق على نظام المحكمة ووجوب استمرارها.
تحديات وظيفية
# برأيك ما هو اهم تحد يمكن ان تواجهه المحكمة؟
- اعتقد ان التحديات ليست بنيوية، ولا مبدئية، قد تكون تحديات وظيفية، بمعنى ان مسألة استكمال احضار او تجهيز الشهود، ومسألة الوقت امر ثان، ومسألة تنفيذ الحكم بعد ان تصدر هذه الاحكام، ولا بد هنا من الاستعانة بالانتربول، واذا كان ثمة رفض دول، لا شيء يمنع المحكمة، من ان تتواصل مع مجلس الامن، لمتابعة قراره الاساسي 1757 الذي صدق على نظام المحكمة هذه الامور قد تشكل تحديات، ولكنها ليست تحديات أساسية أو جوهرية. وبالنسبة لتمويل المحكمة، فقد ذكرت أن هناك مجالاً لتبرع الدول في استكمال تمويلها للفترة المقبلة.
# يردد البعض، ان التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الحريري لن يصل إلى نتائج ملموسة. هل هذا الاحتمال وارد برأيك؟
- لا أريد أن أقبل مثل هذه الاستنتاجات والاجتهادات المبكرة، هناك تقرير ما يزال منذ عام 2005 يُعد، وتقرير المدعي العام لن يطول، والمحكمة أيضاً ستعلن تقريرها كل سنة ربما، ويُنتظر أن يصدر هذا التقرير، على ما قال رئيس المحكمة، في آذار/مارس المقبل، والعملية سائرة، ولا يحق لنا في الواقع أن نقفز إلى مثل هذا الاستنتاج لأنه غير مبني على أي إثبات.
# وهل يمكن أن تؤثر الاستقالات التي شهدتها المحكمة في الفترة الأخيرة سلباً على عملها؟
- يجب ان نميز بين المحكمة كمؤسسة في نطاقها الإداري والتقني وبين المحكمة كآلية قضائية يُنتظر أن تصدر أحكاماً تؤدي إلى إحقاق العدالة الدولية. بالنسبة للمؤسسة، فإن كل هؤلاء الذين ارتبطوا مع المحكمة بموجب عقود عمل معظمها لآجال قصيرة، وبالتالي يمكن أن لا تمدد هذه العقود غالباً بناء لرغبتهم إما لوجودهم خارج دولهم الأصلية ويودون العودة إلى موطنهم الأصلي، وإما استجابة لعروض أكثر إغراء بالنسبة لهم. ومن هنا تأتي الإستقالات ويحل محل هؤلاء أشخاص آخرون، يعني هذه الاستقالات تتناول المؤسسة ببُنيتها الإدارية والتقنية، ولا تؤثر على وجود القضاة ولا على وقائع المحكمة أو أحكامها.
# هل من كلمة أخيرة بمناسبة الذكرى الخامسة لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري؟
شهد تاريخ لبنان الحديث، بعد الاستقلال، حالتين مضيئتين: حالة الرئيس فؤاد شهاب الذي سعى إلى بناء الدولة على المؤسسات وحكم القانون، وحالة رئيس مجلس الوزراء المرحوم رفيق الحريري الذي سعى إلى بناء الدولة على أسس تنموية عصرية. الرئيس الحريري ترك من مآثره ثلاثة أمور أساسية، الأمر الأول في الإطار السياسي كان رائداً للاعتدال السياسي وجمع الكلمة اللبنانية الموحدة، وهذا شأن ضروري جداً، ودولة الرئيس الحالي سعدالدين الحريري يسير على خطى والده في هذا الأمر. والأمر الثاني هو مسألة الإنماء والعصرنة، الذي فعله الرئيس ليس في البنى التحتية فقط، وإنما في أمور أخرى أساسية، يعني أنا أحد أساتذة الجامعة اللبنانية، وعندما أدخل إلى مدينة الرئيس رفيق الحريري الجامعية، تغمرني سعادة الجامعي الأكاديمي، الذي يرى في كل هذه الأبنية والكليات بارقة أمل للبنان متنوّر مقبل. والأمر الثالث هو مسألة اهتمام الرئيس الحريري بالتعليم الجامعي المتخصص، وأنا أعتقد ان هذه حالة لن تتكرر في تاريخ لبنان، أتحدث عن أكثر من ثلاثين ألف طالب جامعي تلقوا تعليمهم على نفقة هذه المؤسسة. أنا أنظر إلى كل هذه الأمور بصرف النظر عن الوضع الشخصي الذي كان الشخص يحارب عليه، على الوضع السياسي الضيق الذي كان الشخص يُستهدف من أجله، وعلى الوضع الإنمائي الذي نوقش بالنسبة للكلفة المترتبة، يمكن أن تناقش هذه الأمور بتفاصيل تقنية، ولكنها ثانوية جداً عندما نرى الانجازات التي شهدها لبنان في سياق العصر. وبالتالي أعود الى التأكيد، ان تاريخ لبنان ما بعد الاستقلال، شهد هاتين الحالتين المضيئتين، وآمل ان المستقبل سيرينا ايضاً حالات مضيئة اخرى. تفاؤلوا بالخير تجدوه.
حوار: هلا بلوط