ماذا تريد "داعش" في "عين الحلوة"؟ - طوني عيسى (الجمهورية)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
أدركت "داعش" أن لا أمل لها في معركة جرود رأس بعلبك - القاع وعرسال، لأنّ هناك قراراً دولياً وإقليمياً بالاستغناء عن خدماتها، في لبنان وسوريا والعراق وسواها. وبناءً على هذا المعطى، بدأت تتخبَّط في المواجهة: على الحدود اللبنانية - السورية كما في آخر بقعة يمكنها التحرّك فيها، أي عين الحلوة.
هناك معطيات تؤكد صحّة المعلومات المتداوَلة عن تشرذم كبير في صفوف "داعش" يمنعها من اتّخاذ قرار موحَّد تجاه المواجهة القاتلة التي تخوضها ضد الجيش اللبناني في الجرود، لجهة إعلان الهزيمة والاستسلام أو استكمال القتال حتى الرمق اA271;خير… إذا بقيت دروبُ الفرار مقفلةً أمامها من كل الجهات.
ونماذج جلاء "داعش" المماثلة، عن مناطق سورية وعراقية، شهدت ارتباكاً كبيراً في صفوف التنظيم اA273;رهابي بين الخيارَين. وفي النهاية، تشرذمت صفوف "الداعشيين" بين الفرار واA275;ستسلام والموت.
ومن أصل العدد المقدَّر لعناصر "داعش" في الجرود، أي نحو 600، هناك نسبة وازنة من الذين يفكّرون في اA275;ستسلام للجيش وفق الطريقة التي جرى فيها استسلام "النصرة" لـ"حزب الله" في جرود عرسال، أو استسلام "الداعشيين" لـ"الحزب" في مطلع المواجهة مع الجيش اللبناني.
لكنّ عناصرَ آخرين يمنعونهم ويصعّبون عليهم تحقيق هذه الأمنية. ومن المؤكد أنهم سيقبضون جيداً على أنفاسهم منعاً للفرار، تحت طائلة التصفية الجسدية، كما يحصل عادة داخل العصابات.
تدرك "داعش" أنها اليوم تواجه أزمة مصيرٍ في لبنان، لا مجرّد معركة عادية. فالجيش اللبناني لم يقرِّر إطلاق هذه الحرب إلّا بتغطية داخلية وإقليمية ودولية شاملة، وبهدف إقتلاع التنظيم اA273;رهابي من جذوره. إنها تحديداً حصة الجيش اللبناني في الخطة الإقليمية - الدولية الرامية إلى القضاء على "داعش".
وهذا اA271;مر يدركه التنظيم اA273;رهابي جيداً ويبني الحسابات على أساسه. فمعركته اليوم هي اA271;خيرة في لبنان، كما أنّ معاركه في العراق وسوريا هي أيضاً معارك الفصل اA271;خير. وتدرك "داعش" وأخواتها أنّ مهمّتها انتهت، كما انتهت عبر التاريخ مهمات أيّ بندقية ولدت كائناً ممسوخاً وعاشت تؤجِّر نفسها مرتزقة.
ويقال إنّ الفضائح التي سيكشفها التاريخ عن "داعش" والقوى التي تقاطعت لتربيتها وتحويلها وحشاً بشرياً أعمى، كل بدوره، ستقشعرّ لها اA271;بدان أكثر ممّا تقشعرّ لشراسة الجرائم التي ارتكبتها.
إذاً، هذا الجوّ الإنهزامي هو الذي تعيشه "داعش" اليوم. ومن خلاله يمكن النظر إلى ما أرادته من التفجير الذي تفتعله اليوم في عين الحلوة. فهناك ثلاثة أهداف سعت "داعش" إلى تحقيقها في المخيم:
1 - محاولة لإلهاء الجيش اللبناني عن حربه في الجرود وتشتيت قوّته بإشعال بؤرة داخلية.
2 - تعميم القتال على كل بقعة المخيّم بحيث يصبح المدنيّون فيه متاريسَ بشرية تحتمي بها "داعش"، ما يضطر القوى الفلسطينية إلى التحرّك عربياً ودولياً لوقف القتال والمطالبة بتأجيل المعركة ضد اA273;رهاب في المخيم والجرود معاً.
3 - إظهار أنّ استقرار عين الحلوة هو ورقة في يد "داعش" يمكن أن تستخدمها في أيّ مساومة محتملة مع الجانب اللبناني في معارك الجرود. واحتمال إيجاد مخارج لعشرات الأسماء والرموز، من فلسطينيين ولبنانيين مطلوبين للعدالة.
لعبت "داعش" على التباينات الفلسطينية - الفلسطينية في المخيم، وخصوصاً بين حركة "فتح" و"فتح- الحركة اA273;صلاحية" والقوى اA273;سلامية الشريكة في استقرار المخيم، وأبرزها "حماس". وراهنت على أنّ إسلاميّي المخيم لن يسمحوا بهزيمة قوى إسلامية متطرّفة أمام "فتح" والفصائل اA271;خرى.
وبالفعل، نشأ بعض من التباين بين حركتي "فتح" و"حماس" حول طريقة المعالجة أو حدّة المواجهة مع اA273;سلاميين. لكنّ "فتح" بدت مصرّة على التقدّم في زواريب حيّ الطيري، معقل بلال بدر، مهما كلف اA271;مر، وحسم المعركة. وربما تطمح "حماس" إلى دور في تسوية محتملة.
لكنّ "فتح" ومعها قوى أخرى في القوة المشترَكة ماضية في إنهاء مواقع بدر وبلال العرقوب وشادي المولوي في أحياء الطيري والصفصاف والمنشية ورأس اA271;حمر أبعد من عين الحلوة. ولا يمكن "حماس" إلّا أن تكون جزءاً من هذا اA275;تجاه، A271;نّ القرار بتصفية اA273;رهاب متّخذٌ على مستوى إقليمي- دولي.
لقد فشلت "داعش" في تحقيق أيٍّ من أهدافها الثلاثة. ومن أصل نحو 250 عنصراً مسلّحاً محسوبين على "داعش" والقوى الرديفة لها، لم يتحرّك سوى 60 مسلحاً في المعركة الجارية مع "فتح". وأما استفزاز الجيش اللبناني على مشارف المخيم، حيث تمّ استهداف الجدار اA275;سمنتي الذي يبنيه، فقد تبيّن أنه محاولة عقيمة، وقامت "فتح" بدورٍ وقائيّ في هذا المجال.
وتعيش القوى المحسوبة على "داعش" وأخواتها داخل المخيم حالات توتر وإرباك شبيهة بتلك التي يعيشها عناصر "داعش" في الجرود. فهناك كوادر تطمح إلى الفرار، لكنّ الجيش يسدّ عليها المنافذ، فيما أخرى تأمل في اA275;ستسلام بأقل اA271;ضرار وأخرى لها مصلحة في القتال A271;نها تدرك مصيرها في أيّ حال.
وقد سارعت "فتح" إلى منع اA273;رهابيين من التمدّد خارج أحيائهم إلى سائر اA271;حياء في المخيم، ما يُنذر بكارثة. وهكذا ازداد تخبّط هؤA275;ء وارتباكهم.
ومن دون أيّ شك، وخلال المعركة الدائرة بين الجيش واA273;رهاببين في الجرود، أو بعدها، سيتمّ اقتلاعُ اA273;رهابيين من عين الحلوة أيضاً، ولكن، بأدوات فلسطينية.
إذ ليس منطقياً أن يقوم لبنان بمهمة مكلفة في عين الحلوة، يقتلع فيها الحالات الشاذة، ثمّ ينسحب تاركاً أمن المخيم للآخرين، على أرض يُفترض أنها خاضعة للسيادة اللبنانية. واA271;حرى أن يكون له اA271;من كاملاً في المخيم… إذا كانت هذه الفكرة قد نضجت لدى المسؤولين الفلسطينيين.
في عين الحلوة، مخلفات "داعش" ستزول في موازاة زوال "داعش" على الحدود اللبنانية - السورية. وبعدها سيكون لبنان نظيفاً تماماً من البؤر اA273;رهابية.
فهل تستفيد القوى السياسية اللبنانية والفلسطينية من المعطيات الجديدة A273;نجاز تفاهمٍ تاريخيّ يعيد اA271;من في المخيم إلى أصحابه، أي إلى السيادة اللبنانية، منعاً لكوابيس مقبلة؟