التحدّي الأساسي لأي برنامج انتخابي جدّي..تحديد سمة المرحلة - وسام سعاده (المستقبل)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
تحديد سمة كل مرحلة، أمر لا مهرب منه في السياسة. البرنامج الانتخابي الذي يُدرك شروطه هو البرنامج الذي ينطلق، ابتداء، من سمة المرحلة، الداخلية والإقليمية، التي يندرج الاستحقاق كلحظة، فاصلة، في إطارها.
لو جرى الاستحقاق النيابي في موعده الأساسي، عام 2013، لكان حصل مثلاً في نهايات الموجة الجماهيرية الانتفاضية العربية التي وُصفت بـ "الربيع العربي". لكن الاستحقاق الذي ظل يُرحّل تمديداً وراء تمديد للمجلس، حتى ضُرب له موعد في أيار القادم، اي بعد تسع سنوات إلا شهراً عن آخر انتخاب، ينتظر حدوثه في ظل أوضاع داخلية وخارجية مختلفة. إقليمياً، هي مرحلة ارتدادية شاملة عن وعود ومكتسبات فترة الربيع العربي.. وحتى دولياً، فهي مرحلة تراجع في التطور الديموقراطي على الصعيد العالمي. ومن حولنا تتحلل مجتمعات وتنهار دول، وتبدد المفاضلة بين الديموقراطية والاستقرار كلاً منهما. وفي المثال السوري، نجد الحرب الاهلية وقد استطاع من خلالها النظام ان يتحول الى نظام احتضار دموي مزمن ومسند من التدخلين الايراني والروسي، في حين ألحقت الإيديولوجيا الجهادية بالغ الضرر بفكرة الثورة السورية نفسها، ومسختها الى تجربة كيانات جهادية أو نصف جهادية نمت كالفطر، وعمل النظام، بمساعدة حلفائه، على ضربها بالحديد والنار مستهدفاً في نفس الوقت كتلاً سكانية كبيرة، ونسيج المجتمع السوري بحد ذاته.
نحن في مرحلة ارتدادية اقليمية شاملة. يروّج فيها تقبيح الربيع العربي والتشنيع على الوعود والانتظارات التي حملها، فيجري تسميته بنقائضه. الوقوف ضد تبخيس ما قامت به الشعوب طلباً للحرية، هو في أساس أي برنامج انتخابي يمتلك رؤية سياسية ديموقراطية على الصعيد الوطني اللبناني. نفس الشيء بالنسبة إلى الموجة التدليسية على ما قام به مئات الآلاف من اللبنانيين، قبل الربيع العربي بست سنوات، في انتفاضة الاستقلال، وتحديداً في عامية 14 آذار 2006. الوقوف ضد الأشكال المتعددة الرائجة من الافتئات على الذاكرة، أو محاولة مسخها، هو معلم لا غنى عنه في أي طرح انتخابي سياسي لا يزال يعتبر أن توسيع مقدار الديموقراطية ورفع منسوب السيادة هما المدخلان الضروريان.
لكن هذا شيء، والتنبّه الى أننا في مرحلة أخرى شيء آخر. هي داخلياً وإقليمياً، بل حتى عالمياً، مرحلة كبوة نسبية على صعيد الاحتجاج الجماهيري. المشهد الجماهيري الاوكراني أو الجيورجي أو الايراني لعام 2009 أو المتنقل من بلد عربي الى آخر بدءاً من تونس فمصر فليبيا فسوريا عام 2011، لم يعد متوفراً في اللحظة الحالية بنفس القدر.
حتى العام 2011، بقي هناك شيء من الحيوية الجماهيرية لمجتمع انتفاضة الاستقلال. ما كان من الممكن، في كل الاحوال، الحفاظ عليها كحيوية دائماً. وبعدها أتت الثورة السورية. جرى التضامن معها، لكن ايضاً الرهان على انتصارها. دخلت سوريا بدلاً من ذلك في مرحلة من التوازن الكارثي بين عناصر إبقاء النظام وعناصر الإطاحة به، ثم جاء التدخل الروسي من بعد الايراني، ليرجّح كفة النظام، من دون أن يخرج الاخير من سمته كنظام احتضار دموي، نظام ما عاد بأي حال بمستطاعه أن يتوصل الى سلم اهلي حتى ولو كان بشروطه... نظام للحرب المستدامة.
لم نعد في مرحلة 2005 و2011. لم نعد في مرحلة "هجومية" بالنسبة إلى حركة تحقيق الديموقراطية والسيادة في لبنان. في نفس الوقت، لا بد من "دفاعية بالحد الادنى" عن عدد من المكتسبات المحققة، لكن ايضاً عن واقعة أن البلد استطاع، لأسباب عديدة ومختلفة، تجنّب انتقال الحريق السوري ـ العراقي إليه، لا بل انخفض منسوب الاشتباك الداخلي فيه في السنوات الاخيرة، ورغم أن هذا ارتبط بارتفاع حدّة انعدام التوازن بين "حزب الله" وباقي القوى، إلا أنه لا يوجد عاقل في لبنان يمكنه أن يتمنّى "عضوية" البلد في الحرب الاهلية المشرقية الشاملة. بل إن المشكلة مع "حزب الله" تتحدّد في أنه ينضوي في إطار هذه الحرب، من خلال تدخله في سوريا. الانسجام في الموقف لا يكون بالدعوة الى تصعيد الصراع الداخلي ليبلغ خواتيمه، بحيث ينتقل الحريق السوري الى لبنان، بل يكون باجتناب هذا. ليس هناك وصفة سحرية لذلك، ولا شك أنه ينبغي الحرص على الدوام على عدم تحوّل وصف الواقع الى تبرير استمراره على ما هو عليه، بكل سلبياته ومظالمه. ولا شك أيضاً أن مفهوم ربط النزاع مع الحزب له حدوده، وله مكامن ضعف عديدة، لكن تأجيج النزاع، في مرحلة محكومة بالارتداد الاقليمي الشامل على موجة الربيع العربي، ليس في صالح العمل الديموقراطي والسيادي في لبنان، ليس في صالح اللبنانيين.
لم نعد في مرحلة الهجوم الربيعي. نحن في مرحلة الدفاع عما تحقق داخلياً وإقليمياً، ومحاولة إبقاء الامل يقظاً بالنسبة الى المرحلة التالية. للمرحلية في السياسة مضارها، كأي شيء، إذا أكثرَ المرء من اختزال كل شيء بها. لكن من دون تحديد مراحل تضيع السياسة نفسها. يضيع التدبير لصالح المزايدة الشعبوية.
هل هناك اليوم إمكانية لبلورة ائتلاف انتخابي قادر قبل كل شيء آخر، على تحديد المرحلة، وتحديد المهام المرحلية، بدلاً من الكلام عن ثوابت ومبادىء "لازمنية"، وبالمطلق؟ وبدلاً من الانصراف الى "مزاد الارادوية"؟ سؤال يطرح نفسه في يوم تختلط فيه أمور، وتحافظ على نفسها أمور أخرى.