بين الأب والابن - ساطع نور الدين (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
هي فترة سماح أو اختبار جديدة للبنان، او بالتحديد لغالبيته الشعبية كي تحكم بواسطة رئيس وزراء شاب وفريق جديد يفترض ان يستكمل المشروع من حيث توقف بشكل مفجع في 14 شباط العام 2005، ويخضع لرقابة محلية وعربية ودولية لم يسبق لها مثيل، تندرج في سياق اكبر بكثير من الحاجة الى الفصل الاخير من الازمة اللبنانية.
في الظاهر يبدو ان الفرصة المتاحة امام رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري هي اكبر من كل الفرص التي اتيحت لوالده الشهيد رفيق الحريري طوال اكثر من عشر سنوات امضاها في الحكم، وأكثر من عشرين سنة في الحياة السياسية، لكن التدقيق في التفاصيل قد يؤدي الى استنتاج معاكس تماما.
يجيء النائب الشاب الى الحكم مدعوما بغالبية نيابية وربما شعبية ايضا لم تتوافر في اي وقت لوالده الذي كان في كل مرة يطلبها من دمشق، ومغطى بأجهزة امنية كانت على الدوام تقاوم مشروع الاب الشهيد الاعماري والسياسي وتصطدم معه منذ ان شارك في يوم من الايام في اتخاذ قرار بارسال الجيش اللبناني الى الجنوب استنادا الى وهم القدرة على اقفال تلك الجبهة المفتوحة منذ اربعين سنة، والتي صارت الآن مقفلة بأختام عملية ودولية اكبر من ذي قبل.
ويصل رئيس الوزراء الجديد الى الحكم بعدما خرجت سوريا نهائيا من لبنان، وتضاءلت حصتها في صناعة القرار اللبناني الى الحدود الدنيا (الطبيعية بين دولتين شقيقتين ومتجاورتين) بالمقارنة مع حصص عرب واجانب آخرين يعتبرون لبنان للمرة الاولى حقل تجارب لرؤيتهم الاقليمية التي اكتسبت في الآونة الاخيرة زخما اضافيا على حساب ما كان يسمى محور الممانعة الايراني السوري الفلسطيني الذي كان حتى الامس القريب يرى انه يمثل نهاية التاريخ العربي والاسلامي!
لكن الافتراض ان الرئيس المكلف هو اوفر حظا من والده، يظل بحاجة الى الكثير من البراهين، لانه لم يسبق للرئيس الشهيد ان جاء الى السياسة او الى الحكم في ظل مثل هذا التوتر المذهبي السني الشيعي، الذي بات قدر لبنان وقضاءه لعقود طويلة مقبلة، ما لم يُستحضر الوسيط المسيحي المحايد والنزيه من خارج تيار العماد ميشال عون وحزب القوات اللبنانية... وما لم يتوصل المسلمون الى اكتشاف الحاجة الى التخلي عن سيوفهم وخناجرهم وهوياتهم الدينية القاتلة.
كما ان الاستنتاج ان سوريا اصبحت خارج الحدود اللبنانية، ولم تعد تعتبر لبنان فناءها الخلفي او«خاصرتها الرخوة»، وجبهتها الامامية مع العدو الاسرائيلي والخصم الاميركي والعربي، لا يزال يستدعي الكثير من الحذر.. والتبصير في ما اذا كانت دمشق تعتبر ان وصول سعد رفيق الحريري الى رئاسة الحكومة تحديا او استفزازا لها، ام مجرد خطوة نحو المصالحة العربية والدولية معها؟
هي فترة سماح واختبار، لكنها يمكن ان تتحول الى مسار نهائي اذا اتقن الرئيس المكلف الاستفادة من اللحظة الخارجية المؤاتية، اكثر من والده الشهيد الذي لا تزال ذكراه حاضرة ومشروعه جاهزا.