«أثر العلم في المجتمع» - حبيب معلوف (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
لا يزال العالم «المتقدم» يجادل كل يوم ويراهن على المزيد من «التقدم» لحل المشاكل الناجمة عن تقدمه! ولا يزال يعتقد ان باستطاعة العلم ان يشكل الرافعة الاولى لحل مختلف القضايا، بالرغم من كل ما حصل، ولا سيما التسبب بكوارث مناخية، وانقراض الانواع وتطور علم الذرة المدمر لكل اشكال الحياة على الارض.
واللافت، ان نقد العلم لم يبدأ مع الكوارث والازمات الكونية التي انتجها تقدم العلوم، بل لطالما كان متزامنا مع نشأته وتطوره! ولذلك كان معظم العلماء فلاسفة، تماما كما كان معظم الفلاسفة علماء. ولطالما كان العلم جزءا من الفلسفة، او حقلا من حقول تفكيرها وتأملاتها، كما كانت فلسفة العلم جزءا من العلم نفسه، او هي عمليات تأمل ومراجعة نقدية في اسس هذا العلم ومواضيعه وطرق براهينه وتطبيقاته التقنية. ولم تحصل تلك «الثورات العلمية»، الا بعد تقدم التكنولوجيا وتوظيفها العملي، وخروج العلم من حقل التأملات الفلسفية الى حقل التجارب والمنافع العملية. ولعل الترجمة الحقيقية لهذا التغير او لهذه «الثورة» قد حصلت مع ما سمي «الثورة الصناعية». ومنذ تلك الثورة، وبالتزامن معها، لم تتوقف الشكوك حول كيفية توظيف العلم وأثره على الطبيعة والمجتمع. ولعل اثر العلم على المجتمع والانسان كان هو الغالب على هموم ذاك الزمان، بكون مفهوم التقدم نفسه، كان يعني الزيادة في القدرة للسيطرة على الطبيعة بشكل رئيسي. تحسّب كثيرون لآثار العلم «غير المحسوبة»على المجتمع، وحاول البعض وضع القيود والشروط لتحاشي الآثار السلبية لتقدم العلوم، الا ان سحر النتائج التطبيقية للعلوم من تكنولوجيا وادوات ومظاهر رفاهية، أعمى القلوب.
بين العلماء الفلاسفة الذين تنبأوا بمخاطر العلم وأثره الكبير في تحول المجتمعات، الفيلسوف وعالم الرياضيات البريطاني برتراند راسل (1872- 1970) الذي استهل حياته المهنية في التدريس (في جامعة كامبردج) بقيادة حملات للاعتراض على الحرب العالمية الاولى (مما عرضه للترض والسجن) وأنهاها بحملات الاعتراض على الاختبارات النووية (ولا سيما اختبارات القنبلة الهيدروجينية التي اجرتها الولايات المتحدة الاميركية في جزيرة بيكيني العام 1954) التي كان يعتبرها خطرة جدا على مستقبل البشرية.
«المنظمة العربية للترجمة» نقلت مؤخرا كتابه «اثر العلم في المجتمع» (ترجمة صباح صديق الدملوجي)، الذي هو كناية عن مجموعة من بعض محاضراته، والتي نشرت بكتاب لاول مرة العام 1952.
يتنبأ راسل بخطر العلم وأثره على المجتمع عندما يبين ان العلم، بقدر ما يتيح للانسان مستوى افضل من الرفاهية، مقارنة بأي شيء في العصور السابقة، الا انه يعتبر ان هذا الرخاء ليس سوى «حالة آنية قد نفتقدها خلال جيل او جيلين». وذلك لان العلم يتيح لنا «الرخاء بشروط»، وإذا لم تتحقق هذه الشروط، فإن «المردود السلبي للعلم سيفوق مردوده الايجابي اضعافا مضاعفة»!
ولكن ما هي الشروط التي حددها راسل من اكثر من ستين سنة ولم يتم الالتزام بها ولا تخطيها؟
يشترط راسل للاستفادة من العلم دون انعكاساته الجانبية، التخلص من الحروب، واستقرار عدد السكان، وتوحيد السلطة ضمن حكومة عالمية تحكم العالم بصورة عادلة وتحتكر القوة المسلحة، وانتشار الرفاهية في العالم، وتوفير عنصر المبادرة لدى الافراد في العمل وفي اللهو. وتفويض السلطة والمسؤولية.
صحيح ان في بعض هذه الاقتراحات تناقضات كثيرة، الا ان بعضها لا يزال ضروريا وجوهريا حتى يومنا هذا.
فاقتراح راسل انشاء «حكومة عالمية»، اقتراح قد يكون، ولا يزال، امرا ضروريا لادارة ازمات العالم والحفاظ على ديمومة موارده، طالما العالم واحد فعلا، الا ان وجه التناقض الذي يقع فيه راسل، هو أن تفرض هذه الحكومة العالمية السلام بالقوة، وهذا يعني استمرار الحروب الذي اعتبره شرطا لعدم ترك العلم انعكاسات جانبية خطرة!
كما ان مكسب انتشار الرفاهية من دون التوسع في توصيفه وتحديد سقفه، يمكن ان يكون على حساب الطبيعة ويتسبب في تلفها، كما حصل فعلا.
اما شرط ضبط الزيادة السكانية، فلا يزال شرطا مركزيا لاي توازن واستقرار محلي او عالمي. وكذلك الامر بالنسبة الى تفويض المسؤولية التي باتت تترجم اليوم بالآليات الديموقراطية عبر البرلمانات، حيث يفوض الشعب ممثلين عنه لتحمل مسؤولية ادارة المجتمعات والموارد، هذه السلطات المسؤولة التي لا بد منها لادارة شؤون الكوكب... اذا ما التزمت بشروط القوانين الطبيعية، وهي المسألة التي لم يلتفت لها راسل، ولا معظم علماء عصره.
وهنا نصل الى الشرط الاول الذي يفترض بالمجتمع العلمي تحقيقه لكي يكون مستقرا، وهو احترام الطبيعة وقوانينها. صحيح ان راسل أشار الى ضرورة «عدم استنفاد التربة والمواد الخام بسرعة لا يستطيع معها التقدم العلمي تعويض الفقدان بواسطة الاختراعات والابتكارات...»، كما تنبه ايضا لشرط «تقييد حرية المنافسة»... الا انه لم يذهب ابعد من ذلك، وظل يراهن على العلم ايضا وايضا بأنه «سيكتشف موارد جديدة عندما تستدعي الحاجة من دون شك».
يفتقد العالم اليوم لفلسفة العلم ولمثل هذه التحذيرات والشكوك والانتقادات والشروط على العلم، اكثر من اي يوم مضى. كما يفتقد للفلاسفة العلماء الذين يحبون التأمل على حب المنفعة العلمية.
وراسل في كتابه، لم يأمل كثيرا بأن يهتم حكام العالم بإيجاد حكومة عالمية تؤمن السلام العالمي وتحفظ موارد الارض، وقد أشار في اكثر من محطة الى ان النزاعات التقليدية بين المجموعات والدول ستظل تعتبر اهم من قضية استمرار الحياة على كوكبنا، متوقعا منذ خمسين عاما ان يختار الجنس البشري بعد جيلين الموت على التعقّل. فهل تصح توقعاته إلى حد ما؟