الركيزة القانونية للبيان الوزاري اللبناني: قضيتا رفيق الحريري وموسى الصدر - شبلي ملاط (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
لا معنى للدولة دون مرتكز قانوني، وكلّ دولة لها وضعها الخاص، لكن الثوابت القانونية هي التي تميّز من تقدّم منها، وهزالة الثوابت القانونية تفسّر لماذا تأخّر غيرها. فبحرمان الإستعمار دولة القانون في صميم بنيانها، أي في تقرير مصيرها دستورياً بأهلها وليس بحكامها الغربيين، تأخّر الشرق عن الغرب، ليس تعليمياً أو ثقافياً كما أوحى به عام 1930 كتاب الأمير شكيب أرسلان الشهير، بل في مرتكزه القانوني.
إفراغ الكلمة من معناها، علَّمنا سليم عبو في خطاباته الشهيرة أيام جاهليتنا، خطرٌ محدِق على الحديث العام؛ ورطانة الكلمات "الخشبية" نبَّهنا جهاد الزين في مقالة قريبة الى خطرها على الخطاب التأسيسي المرتقب لسعد الحريري. وعندي اليوم أن البرنامج الوزاري مهدَّدٌ بجمع العلّتين، فراغه من أيّ معنىً، ورطانة كلمته الطنانة.
سبلٌ مختلفة لاستعادة الكلمة معناها، أخصّ منها اثنين. السبيل الأول يتجلى في التمثيل النسائي في الحكومة. سوف يبقى لبناننا المترهّل في أحسن الأحوال بعيداً عما تمليه طبيعة المجتمع، من تمثيل وزاري من المفترض أن يكون نصفه مكوناً عفواً من النساء. مثل هذا التمثيل الحكومي أهم وأرفع بكثير من التمثيل الطائفي أو السياسي. هذا في شكل الوزارة الديموقراطي، ولا أتوقف عنده سوى لتسطير بُعْد لبناننا عن المرتجى الحضاري المتنامي في العالم الدستوري المقارن.
أما في المضمون، فقد دأبت الحكومات اللبنانية في السنوات الماضية على إعلان برنامجها في بيان تفصيلي، ولا بأس بهذا العرف. لكنّ البيانات الوزارية تتوالى عموماً على إطناب وتفصيل وسطحية تشبه في رتابتها بيانات الجامعة العربية، ساردةً عشرات النقاط التي تجيء معظمها نتيجة تبادل الوزراء وتداولهم في سوق سياسية جوفاء تفرغ البيان من سلطة إقناع للمواطن أو معيار جدي للعمل الحكومي، لا سيما أن التضخم العددي المواكب حكوماتنا يزداد عهداً بعد عهد في الهرطقة الدستورية بغالبيات وأقليات تمسخ المسؤولية الحكومية الجماعية ونظام الثقة الدستوري أمام البرلمان. فالسبيل الثاني لاستعادة الكلمة قوامها، ولاستعادة وزارة الوحدة أيَّ معنىً فعليّ لهذه الوحدة، هذا السبيل محورهُ القانون.
كما في بحثي الأسبوع الفائت عن المرتكز القانوني الضروري لنجاح الثورة الخضراء في ايران، أرى لبنان يعيش منذ أربعة أعوام ثورة غير مكتملة بسبب تشويه معالم القانون الأساسية فيها. ولإعادة كلمة القانون قاضيةً وهي ممنوعة لما في المنطقة من طغيانٍ على ساحة لبنان الوطنية، أختصر البيان الوزاري بضرورة إدراجه تحت منظومة قانونية واحدة عنوانها: تفعيل العدالة في مقتل الرئيس الحريري في بيروت عام 2005 وتغييب الإمام موسى الصدر في طرابلس الغرب عام 1978.
فكيف يمكن تحاشي الرطانة والفراغ في موضوع دولة القانون، والجزء الأهم فيها محاسبة من يرتكب جريمة تودي بحياة خصمه وحياة الأبرياء الآخرين حوله ويبقى إزاءها دون معاقبة؟
لست ممن يحصر المسؤولية الجزائية بصدارة الضحايا، أو البلد التي تقع فيه الواقعة الجزائية، أو الطريقة التي تنفذ بها الجريمة، أو جنسية المشتبه به. فشخص الضحية ليس قاضياً، وعائلة عابر السبيل الشاب شارل شيخاني، المغدور في الإنفجار المُعَدّ للنائب انطوان غانم، حقّها في توقيف الجاني لا يختلف عن حق عائلتي المرحوم انطوان غانم ورئيس وزرائنا السابق. والبلد غير مهم، ومقاضاة مسؤولين اسرائيليين ضالعين في جريمة صبرا وشاتيلا ليست أقلَّ شأناً من مسؤولين سوريين أو ليبيين مشتبه بهم قتلُ اللبنانيين. والطريقة التي تنفذ بها الجريمة ليست قاضية، فاختصار القتل على شخص أعزل يختلف في القانون الدولي عن الجريمة الجماعية، لكنّ مثل هذا الإختلاف مجرد إشارة الى نقصٍ في المنظومة القانونية العالمية. وجنسية الفاعل أو الضحية ليست مهمة، واللبنانيون أنفسهم يتحملون مسؤولية مباشرة في جرائم كثيرة ارتكبوها ضدّ مواطنيهم في البلد. والمجرمون الذين اغتالوا كمال جنبلاط وبشير الجميل والياس حبيقة لا يزالون حرّين طليقين، والقائمة تطول.
ومع هذا الإستدراك كلّه، أركّز على قضيتي رفيق الحريري وموسى الصدر، لأن البيان الوزاري بطبيعته سياسي، ولا شرخ في لبنان المهدّد في حياته اليومية مثل الشرخ الواقع بين سنّته وشيعته. ولا نقص أعمق في معاني ثورة الأرز والمحكمة الخاصة بلبنان التي نتجت منها مثلُ انتقائية المحكمة، والإنتقائية هذه كانت محور نقد منظمة العفو الدولية لها في تقرير خاص صدر العام الماضي.
لا شك في أن البيان الوزاري سوف يدرج بنوداً صريحة عن العملاقين اللبنانيين المغيّبين. هذا ليس ما نحتاج اليه. ما نحتاج اليه تفعيل قضائي عالمي للقضيتين، والإلتزام الحكومي الوطني بصدارتهما المطلقة بناءً على القواعد المتقدّمة التي وفّرها المسار القانوني في كلّ منهما.
ففي قضية الإمام الصدر، على القرار الإتهامي الشجاع الذي أصدره ختاماً لتحقيقه القاضي العدلي سميح الحاج، بعدما توالى المدعيان العامان عدنان عضوم وسعيد ميرزا في الأمر بتوقيف القذافي وغيره من المتهمين في خطف الإمام ورفيقيه، على هذا المرتكز القانوني القوي أن تترجمه الحكومة اللبنانية وسيلة تلقي الحاكم الليبي في خانة الهارب من العدالة الدولية أسوةً بزميله في الجريمة ضد الإنسان وضيفه القريب الحاكم السوداني.
وفي قضية الرئيس الحريري وسلسلة الجرائم الطويلة على النمط الذي أعادنا الى الحرب الأهلية منذ تشرين الأول 2004، على المحكمة الخاصة أن توقَظ من سباتها المميت منذ إخفاق سيرج برامرتز المهني واستمرار العمل بدون فاعلية لخليفته المدعي الخاص الكندي. هذا التفعيل مسؤولة عنه الحكومة اللبنانية.
فقط بهذا المرتكز القانوني الشامل لقضيتي وحدتنا الوطنية يمكن للبنان أن يعيد توحيده قُدُماً.
( محام وأستاذ في القانون في الولايات المتحدة ولبنان، من كتبه "آذار 2221: ثورة الأرز والبحث عن اللاعنف والعدالة" (بيروت 2007، بالإنكليزية عن دار لير).)