Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

عندما يتكرر «النموذج» - حبيب معلوف (السفير)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

أعلنت بعثة المفوضية الأوروبية في لبنان، في بيان لها نهاية الأسبوع الماضي، عن قبول طلبات لتمويل مشاريع بيئية بمبلغ اجمالي يقدر بنحو 63 مليون يورو من موازنة العام 2009. على ان تتراوح قيمة طلبات المشاريع المقترحة بين 500 ألف و 2,5 مليوني يورو للمشروع الواحد. ويأتي هذا التمويل في اطار «برنامج البيئة والإدارة المستدامة للموارد الطبيعية ومنها الطاقة».
وختمت بأنها تمنح الأولوية لـ«المشاريع المبتكرة» والفعاليات التي من شأنها «تعزيز العمل الاقليمي، داخل الاقليم الواحد، أو بين الأقاليم المختلفة في العالم، والعابرة للحدود».
لم نفهم جيدا ما هو القصد من تشجيع ما تسميه «العمل الاقليمي» او «المشاريع الاقليمية»؟ هل الهدف هو في تكبير المشاريع وبالتالي استبعاد المنظمات او الشركات الصغيرة عن الالتزام والتنفيذ؟ ام المقصود توظيف المشاريع لاهداف سياسية، ولا سيما ما يسمى «مشاريع السلام في المنطقة»؟ ام هي مسألة تنفيع بعض الشركات الاوروبية وتقنياتها الصاعدة (مع خبرائها) وتشجيعها للعمل عبر فتح اسواق جديدة لها؟ وما تأثير ذلك على اقتصاديات الدول «المستفيدة»؟ واذا كانت الاهداف اكثر طموحا تحرض على التعاون بين الدول المختلفة، الا يفترض العمل على حل النزاعات اولا بشكل عادل حتى لا تعود وتدمرها مع اول ازمة؟
ولماذا حصر المشاريع بقضيتي الموارد الطبيعية والطاقة؟ هل هي بمثابة اعتراف بمسؤولية الدول المتقدمة التاريخية عن استغلال موارد البلدان النامية واستنزاف هذه الموارد والطاقات، وتأتي هذه المساعدات بمثابة تعويض لهذه البلدان عما اصابها او يفترض ان يصيبها من آثار سلبية لانعكاسات التغيرات المناخية المرتقبة والتي تسببت بها»الثورة الصناعية الغربية» ايضا؟ فإذا كان هذا التقدير صحيحا، لما لا يعلن عنه صراحة، حتى يتشارك الجميع في تحديد الثمن الحقيقي الواجب دفعه؟
مع العلم ان المبلغ المرصود، بالنسبة الى المشاكل، صغير جدا، ولا يمكن ان يترك تأثيرات جوهرية في أي من الاهداف المتخيلة.
عندما يتحدث المانح عن «المشاريع النموذجية»، او عن «المشاريع المبتكرة»، فهذا يعني انه يريد ان يقول بطريقة غير مباشرة، ان هذه المشاريع ليست كاملة ولا متكاملة ولا هي شاملة، ولا تشكل بديلا عن الدولة. كما يمكن القول انها بهذا المعنى، «تجريبية». فهل نحن لا نزال في طور التجارب؟ أما حان الوقت بعد للبدء بمشاريع إستراتيجية ولها صفة الديمومة؟ هل نحن لا نزال مشاريع بلدان ومشاريع أوطان ومشاريع دول... وقد توافق الجميع على التعامل معنا كمشاريع مواطنين أيضا؟
وهل درس المانحون كفاية ما كان مصير المشاريع الصغيرة والنموذجية التي مولوها او دعموها في السنوات الاخيرة؟
تقوم الجهات المانحة عادة بإجراء مشاورات لمناقشة مشاريعها، ولكن السؤال الذي يطرح: مع من تناقش افكارها ومشاريعها؟ هل مع الشركاء فقط؟ مع محترفي تقديم الطلبات التي ترضي شروط الجهة المانحة فقط؟
تلقفت دوائر الاتحاد الأوروبي هذا النوع من النقد وبدأت بفتح دورات تدريبية لتعليم من يريد، كيفية إعداد طلبات المساعدة وكيفية التنفيذ والالتزام... اما النقاش الجدي حول جدوى المشاريع الصغيرة وحول «المسؤوليات التاريخية» وحول كيفية تحديد التعوضات والاثمان الحقيقية المتوجب دفعها للبلدان المتضررة من «تقدم» البلدان الصناعية... فلم يفتح يوما!
تشترك مشاريع الاتحاد الاوروبي مع مشاريع وكالة التنمية الاميركية في صغر حجمها، وفي حمل صفة «النموذجية»، وقد تم تكرار نفس النماذج في اكثر من منطقة دون مراجعة حقيقية لجدواها وقدرتها على الاستدامة، وقدرة مشغليها والمستفيدين منها... فتعثر معظمها. وقد اصطدم معظم هذه المشاريع بغياب الاستراتيجيات والخطط الحكومية للمعالجة او بالتضارب معها اذا وجدت. وقد اصيبت تلك المشاريع بعدوى المشاريع الحكومية المؤقتة والطارئة وغير الاستراتيجية المشكو منها طويلا... كما هي الحال مع ملف المقالع والكسارات، هذا القطاع الذي لا يزال يعمل ضمن ما يسمى «المهل الادارية» المؤقتة، أي ضمن حلول جزئية وتجريبية، ولم يرتق الى مستوى التنظيم المقونن ضمن استراتيجيات عامة وشاملة. كذلك الامر بالنسبة الى ملف ادارة النفايات، حيث لا نزال نعمل ضمن ما يسمى «الخطة الطارئة» التي وضعت من العام 1997، ولم نستطع ان ننتقل الى الحلول شبه نهائية. حتى على مستوى طريقة استهلاك أهم مادة غذائية كاللحوم، ففي لبنان لا يزال اكبر مسلخ للحيوانات في مدينة بيروت في منطقة الكرنتينا، يعمل تحت عنوان «المسلخ المؤقت» منذ عشرات السنوات. بالاضافة الى مئات المشاريع «النموذجية» والمكررة في المناطق كافة، من معامل معالجة النفايات الصغيرة الى محطات معالجة الصرف الصحي الصغيرة ايضا، الى المشاريع الصغيرة ايضا وأيضا لمعالجة زيبار الزيتون... الخ.
بالامس ايضا تم تكرار تنفيذ مشروع انشاء برج لمراقبة حرائق الغابات في بعبدا بعد 12 سنة على انشاء اول برج «نموذجي» في القبيات، في وقت كانت البلاد بحاجة الى خطة متكاملة وتعميم النموذج إذا كان ناجحا!
فما معنى تكرار النماذج؟ هل بسبب قلة مصادر التمويل؟ ولماذا لا تجمع «التمويلات» الصغيرة هنا وهناك في مشروع كبير واستراتيجي واحد، يحمل صفة الديمومة وامكانيات الاستمرارية والجدوى الاقتصادية الاشمل؟ وما الهدف من الاكثار من المشاريع الصغيرة؟ هل لتكبير حجم وأعداد المستفدين شكليا؟ هل من اجل الدعاية؟ هل هي ملهاة؟ اي سياسة ولأية اهداف؟
يشكو البعض من فساد الدولة واداراتها وأجهزتها، ولذلك يتم التعامل مع المجتمع وقواه المحلية والمدنية مباشرة. ولكن ألم تفسد المؤسسات الصغيرة من هذه المشاريع الصغيرة غير المجدية ايضا؟ ألم يحن الوقت بعد للاقتناع بأن المطلوب اصلاح الدولة وليس الالتفاف حولها وعليها؟
 

← Back to Selected Articles