الرئيس المكلّف بين شقاء التكليف وتعذّر التأليف ووهم الصلاحيات - نقولا ناصيف (الاخبار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
أمس أنبأت الجولة الأولى من الاستشارات النيابية الملزمة، بأن المرحلة التالية لتأليف الحكومة ستكون أكثر شقاءً على الرئيس المكلّف والمعارضة. وقبل أن تفضي نتائجها إلى تسمية النائب سعد الحريري مجدّداً رئيساً مكلّفاً، استخدم هو ومعارضوه معظم أسلحة المواجهة التي تجعل تأليف حكومة جديدة أمراً متعذّراً، إن لم يكن مستحيلاً، سواء بتسمية الرئيس المكلف أو بالإصرار على الشروط المتبادلة التي أدّت إلى إخفاق التكليف الأول.
بأركانها الثلاثة: رئيس المجلس نبيه برّي والرئيس ميشال عون وحزب الله، لم تسمِّ المعارضة الحريري، لكنها لم تسمِّ آخر. بذلك حرمت الكتل الثلاث الكبيرة هذه ـــــ أو برّي في أحسن الأحوال ـــــ الحريري ثلثي أصوات النواب التي حازها بعد استشارات حزيران الماضي عندما نال 86 صوتاً. يحمله ذلك إلى مفاوضات التأليف منهكاً مثلما كان الرئيس فؤاد السنيورة في استشارات أيار 2008، عندما حصل على 68 صوتاً هي ثمرة التوازن الداخلي الذي انتهت به حرب 7 أيار وتسوية الدوحة. وإذا كان ثمّة ما برّر إنهاك السنيورة حينذاك بعد مواجهة قاسية خاضها مع المعارضة في الحكم والشارع بين أعوام 2005 و2008، فإن الحريري يستعيد التكليف بأصوات الغالبية النيابية المؤيدة له فقط، من دون أن يتمكّن من استثمار انتصاره في انتخابات حزيران الماضي، على غرار والده الراحل الرئيس رفيق الحريري عندما حصل في تشرين الأول 2000، بعد انتصار ساحق في انتخابات تلك السنة، على تكليف 107 أصوات من النواب الـ128، والسنيورة ـــــ ولم يكن قائد انتخابات 2005 ـــــ على تكليف 126 صوتاً من النواب الـ128.
ذلك أن التكليف الثاني لرئيس تيار المستقبل لن يكتفي باختبار مواجهة جديدة مع المعارضة فحسب، وقد أبلغت إليه هذه سلفاً تشبّثها بشروطها، بل أيضاً اختبار موقف مختلف لرئيس الجمهورية الذي حدّد ـــــ أو يكاد ـــــ سقفاً للدور الذي يريد الاضطلاع به سعياً إلى إخراج البلاد من المأزق الحكومي الحاد: التخلي عن مهمة الوسيط بين الحريري والمعارضة حالما تبدأ مرحلة التكليف التي تحصر بالرئيس المكلّف، أي رئيس مكلّف، وضع التصوّر الأولي لتأليف الحكومة الجديدة، وتأكيد دوره شريكاً أساسياً في التأليف.
يخيّر هذا الإنهاك الحريري بين أن يكون رئيس حكومة لا يترأسها إلا توازن القوى الفعلي في صفوفها موالاة ومعارضة، وبين لا ينجح في تأليفها. بذلك تبدو الخيارات أمامه ضيقة ومربكة، وإن تسلّح بأكثر من ذريعة لمناورة عابرة لا تمكّنه من اتخاذ قرارات حازمة تنقذ التأليف: لا رئيس الجمهورية يعطيه حكومة الغالبية، ولا المعارضة تقبل بتشكيلة تنقض قاعدة 15+10+5 التي لا تمثّل في أي حال سقف ما تطالب به.
واقع الأمر لا يملك الحريري سوى مناورة واحدة جدّية يستطيع استخدامها، هي إطالة أمد التكليف كي يتحوّل عبئاً على الجميع، فيستعيد بذلك سابقة الرئيس رشيد كرامي التي لا تقتصر عبرتها على فراغ حكومي طال سبعة أشهر، عندما قَبِل في نيسان 1969 بإعادة تكليفه ترؤس حكومة جديدة بعد استقالة حكومته، ولكنه رفض تأليفها، وتوأم في نفسه صورة رئيس حكومة تصريف الأعمال والرئيس المكلف، إلى أن سُوّيت أزمة لا علاقة لها بالحكومة وتأليفها، هي الصدام العسكري بين الجيش والفلسطينيين. ولم يخلُ هذا الصدام من تجاذب مصري ـــــ سوري.
الصلاحيّات الدستورية منوطة برئيس الحكومة لا بالرئيس المكلّف
لكن الحريري يقرن تعذّر التأليف بعامل لا يقع بالضرورة في صلب المشكلة الحكومية، هو تبرير إصراره على شروطه عبر تمسّكه بالصلاحيات الدستورية لرئيس مجلس الوزراء. في الواقع يدافع عن صلاحيات رئيس مجلس الوزراء قبل أن يصبح رئيساً لمجلس الوزراء. ذلك أن ليس للرئيس المكلف ـــــ أي رئيس مكلف ـــــ طبيعة دستورية مستقلة في ذاتها وذات صلاحيات قبل صدور مرسوم تعيينه رئيساً لمجلس الوزراء، ولا يعني هذا التكليف الذي يصدر ببيان رئاسي ثمرة لنتائج الاستشارات النيابية الملزمة إلا التعاون مع رئيس الجمهورية على تأليف الحكومة الجديدة، فيوقعان مرسومها معاً، الأمر الذي يحتم سلفاً اتفاقهما على أسماء الوزراء وتوزيع الحقائب، مع الأخذ في الحسبان بمواقف الكتل وتضامن الحكومة الجديدة وانسجام أعضائها. على الأثر يصدر مرسوم أول يوقعه رئيس الجمهورية منفرداً يعيّن بموجبه رئيس مجلس الوزراء الذي يتخذ، مع صدور المرسوم، طبيعته الدستورية. يليه مباشرة مرسوم ثان «بناءً على اقتراح رئيس مجلس الوزراء» ـــــ وقد أضحى ذا طبيعة دستورية ـــــ يقول بتأليف الحكومة وتوزيع الحقائب.
إلا أن الأهم هو ما يسبق صدور هذين المرسومين، أي صدور مرسوم قبول استقالة الحكومة السابقة التي تستمر في تصريف الأعمال إلى أن يصدر مرسوما تسمية رئيس مجلس الوزراء وتأليف الحكومة. بذلك لا يشغر منصب رئيس مجلس الوزراء عندما يُسمّى رئيس مكلّف، ولا تنتقل صلاحياته إلى الرئيس المكلّف. عند هذا الحدّ تدور مهمة الرئيس المكلّف التي لا تنفصل عن رئيس الجمهورية، إذ يقتضي إطلاعه باستمرار على نتائج استشارات التأليف. فإما يعتذر فلا يحتفظ باللقب، وإما يكسبه عندما ينجح في تأليف الحكومة.
وليس من باب المصادفة أن هذه الآلية، قبل إدراج إصلاحات الطائف الاستشارات الملزمة في المادة 53، اعتمدت منذ أقرّ الدستور في 23 أيار 1926، عندما عيّن أول رئيس للجمهورية شارل دباس أول رئيس لحكومة الجمهورية الأولى أوغست باشا أديب في 31 أيار، بمرسومين مهّد لهما باستشارات مع أعضاء مجلسي النواب والشيوخ، أولهما تعيين رئيس مجلس الوزراء، وثانيهما تأليف الحكومة الأولى