Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

تشوّهات معارضة - سليمان تقي الدين (السفير)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

السلطة هي السلطة، تدافع عن مصادر قوتها ونظامها. أما المعارضة فيجب أن تكون شيئاً آخر. بعد اتفاق الطائف لم يعد لدينا معارضة فعلية للنظام بل معارضة للسلطة. انضوت كل القوى السياسية تقريباً في صيغة الطائف. المستجد بعد 2005 أن «المقاومة» تريد المشاركة القوية في نظام لا ينسجم معها بنيوياً. بعد التحرير في العام 2000 أفرز النظام تياراً سياسياً مسيحياً احتضنته قوى إسلامية يطالب بإنهاء دور المقاومة وراعيها الإقليمي السوري. مع القرار 1559 وتداعياته بدأت معركة علنية مباشرة لتجويف مشروع المقاومة وإجهاض دورها المعنوي كما لتغيير مضمون العروبة وترجمتها في اتفاق الطائف.
حصيلة السنوات الأربع أن النظام لا يملك حلاً لدور المقاومة، والمقاومة لا تملك مشروعاً لتغيير النظام. جرى استدعاء الحرب الإسرائيلية على لبنان وفشلت تلك الحرب. في صيف 2008 كان على المقاومة أن تدافع عن سلاحها وقضيتها بالسلاح لكن بوجه قوى أهلية هي التي تشكّل عصب النظام. مَن أراد استدراجها إلى هذا الفخ نجح في ذلك.
اتفاق الطائف كما جرى تطبيقه جعل النخبة السياسية والاقتصادية السنية محور النظام بديلاً عن الموارنة. ما يُحكى عن تحوّل في المزاج السياسي السني من العروبة إلى اللبننة هو النتيجة المنطقية لسلطة هذه الطائفة ومسؤوليتها عن نظام اقتصادي محكوم بالتبعية للخارج، ونظام سياسي يرتب امتيازات للطرف الذي يتصدّر السلطة التنفيذية. هذا هو المعنى الحقيقي للانعزال السياسي. النظام ينتج الانعزال وليس الطوائف. بقدر ما تصبح أي نخبة سياسية واقتصادية جزءاً من عصب النظام تطور أفكاراً انعزالية تنسجم مع الوظيفة والدور.
نجح النظام اللبناني في تجديد نفسه وقوته من خلال التسوية الطائفية والفورة النفطية التي دعمت فروع الطبقة السياسية المسيطرة. ثراء النخبة السياسية الفاحش غير الشرعي يدل بوضوح على طبيعة التحولات الاجتماعية التي حصلت في العقود الأربعة الماضية. المال السياسي الذي تدفق على البلاد خلال الحرب وبعدها شوّه الاقتصاد اللبناني ودمّره، وشرذم البنية الاجتماعية وعزز سلطة الطبقة السياسية خارج ضغوط الشارع. اقتصاد الطوائف ومؤسساتها حلّ محل الاقتصاد العادي الذي يقوم على الإنتاج والعمل ويفرز قيماً مختلفة عن الاقتصاد الريعي أو الطفيلي.

المقاومة التي عملت في حضن القرار الإقليمي ورعايته فقدت هذا المنظِّم لعلاقتها بالسلطة. حين صارت معنية بحماية نفسها من نظام ارتد عليها استخدمت شرعيتها الطائفية وآليات النظام الطائفي. أرادت أن تعدّل توازنات السلطة السياسية للحصول على ضمانات. دخلت في تحالف مع شريحة طائفية مسيحية متضررة من المرجعية السياسية السنية. كل جهد المقاومة لتلافي النزاع المذهبي المباشر أضعفه إصرار الحليف المسيحي على مواجهة الطرف السني في السلطة. لا يفهم الشارع النزاع الحالي إلا أنه نزاع بواسطة طرف آخر. سلوكيات هذا الطرف وخطابه السياسي صاعد من توتر الفريق الآخر. الإنجاز الوطني للمقاومة في صيف 2006 استنزف في أحداث 7 أيار 2008 وفي انتخابات 7 حزيران 2009. تورط سلاح المقاومة في التوازن الداخلي ثم تورط في تسوية سياسية طائفية ساهمت في محاصرته مع القبول بالمحاصصة الطائفية بديلاً لأي طرح إصلاحي. كيفما كانت النتيجة العملية للانتخابات فإن خارطة البلاد السياسية انحصرت بتحالف طوائف متقابلة والأزمة قائمة. في الاعتماد على شرعية المطالب الطائفية يتراجع معنى المعارضة الوطنية، كما يتراجع المضمون الأخلاقي والوطني للمقاومة. في النتائج السياسية للانتخابات بدت المقاومة وكأنها خيار طائفة لا خيار أطياف طائفية وطنية.
أخطر نتيجة لهذه السياسات أن نستعيد الحديث عن طوائف وطنية وأخرى غير وطنية. هناك تسليم وكأن الشرائح الطائفية الأخرى التي قادت العمل الوطني ومعركة عروبة لبنان قد خرجت من تاريخها وانقلبت عليه. لا شك أن هناك نخباً سياسية انخرطت في النظام بآلياته المناهضة لموجبات العمل الوطني وللعروبة كمشروع وليس كتوازن سياسي يمليه هذا الطرف الإقليمي أو ذاك على اللبنانيين. لا ينقذ المقاومة والمعارضة معها من هذا الانكفاء وجودها في معسكر سياسي إقليمي يقاوم الهيمنة الأميركية الإسرائيلية على المنطقة.
فلهذا البُعد الإقليمي مشكلاته أيضاً. هناك التباسات ليست قليلة في العراق وغير العراق من مشاريع مذهبية ومن مصالح لدول إقليمية مشروعة بلغة السياسة لكنها غير مشروعة من زاوية المصالح العربية.
لا يمكن اختصار الأزمة اللبنانية اليوم بثنائية المقاومة والسلطة، أو ما يوصف بالعلاقة المتوترة بين الثورة والدولة. صحيح أن الدولة ليست دولة كل اللبنانيين لكن الطرف المقابل لها لا يستقطب كل وجدانهم الوطني والإصلاحي فضلاً عن أنه بات غرماً من دون غنم جرّاء افتقار المعارضة لأي بُعد اجتماعي حقيقي. إذا افترضنا أن للمقاومة أو المعارضة مشروعاً فهو في أبسط تعريف تعديل توازنات السلطة وليس تعديل قواعد النظام. والنظام هو مصدر كل الأزمات. سياسة المصالحات والمجاملات ودعوات الحوار والوفاق لا يمكن أن تطمس حقيقة أن الطرف المدعو لذلك هو جزء من مفاسد النظام وهو جزء من نقائض المشروع الوطني. محاولة التعايش بين كل هذه التناقضات اللبنانية وخاصة في الحكومة يكاد يتحوّل إلى مهزلة. هو ما ينقل عدوى النظام إلى المقاومة وليس العكس. على أي حال، مظاهر النظام خرقت المقاومة في بعض السلوكيات من المال إلى الوجاهة. سواء أكان المال مال السلطة أم مال غيرها. من السهل طبعاً مواجهة هذ التحليل بالحديث عن الواقعية السياسية والتبريرات «اللبنانية». لكن مَن يحمل فكرة جذرية بحجم المقاومة أو عقيدة خلاصية لا يجوز أن يعيب على الآخرين شوقهم لمشروع سياسي إصلاحي نظيف إنسانوي أخلاقي. في الانتخابات وفي تأليف الحكومة وفي إدارة العلاقات السياسية هناك غلبة لمصالح سياسية فئوية على حساب بناء فكرة وطنية جامعة وإطار وطني جامع وسعي إلى استعادة جمهور يجري تيئيسه من الوطن ومن الدولة ومن الأمن ومن العدالة. هناك على الأقل لا مبالاة من معارك أطراف السلطة وهناك «جهل» بالنيات النبيلة من وراء اقتطاع الحصص وتوسيعها. وهناك غموض على مستقبل لبنان في كل ما هو متداول من خطب وأفكار. وهناك عيب جوهري بين بعض الأفكار وأدواتها.




 

← Back to Selected Articles