Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

زيارة الأسد لجدة: المشاركة في افتتاح جامعة.. وفرصة - عماد مرمل (السفير)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

تجاوزت زيارة الرئيس بشار الأسد لجدة حدود المشاركة في افتتاح جامعة الملك عبد الله. بدا واضحا، أنها ترمز الى افتتاح مرحلة جديدة او فرصة إضافية للعلاقات السورية ـ السعودية، بعد الفتور الذي أصابها مؤخراً، وترك آثاراً سلبية على الساحتين اللبنانية والإقليمية.
ولأن الوضع اللبناني بلغ حداً كبيراً من الهشاشة، فإن مجرد التقاط صورة لمصافحة أو عناق بين الأسد وعبد الله كان كافياً لتنفرج الأسارير في بيروت ويبدأ مشاريع الوزراء بفرك أيديهم استعداداً لصدور مراسيم تعيينهم في حكومة الوحدة الوطنية، على قاعدة أن الاستشارات الفعلية والملزمة هي التي تتم بين عواصم القرار الإقليمي والدولي، وما تبقى من أدوار دستورية للبنانيين هو من لزوم الإخراج وتأمين متطلبات الديكور المحلي لتسويات عابرة للحدود، وفق ما يتداوله السياسيون أنفسهم في مجالسهم.
وإذا كان هذا الاستنتاج واقعياً ويصح بنسبة كبيرة، قياساً إلى التجارب، إلا ان ذلك لا يلغي في الوقت ذاته حقيقة أن هناك عقبات داخلية صرف وموضوعية تعترض تشكيل الحكومة، وتحتاج الى معالجة محلية، مع الأخذ بعين الاعتبار ان الانفراج الخارجي، وخصوصاً على مستوى معادلة «س.س.» من شأنه ان ينتج المناخات المؤاتية للعمل على تدوير الزوايا الحادة لمواقف الأطراف اللبنانية المتنازعة.
وبينما كان الكثير من الحسابات السياسية والحكومية تبنى في بيروت حتى يوم أمس الاول، على أساس أن العلاقات السورية ـ السعودية ليست على ما يرام، وأن هناك من زرع في ممراتها أصابع من الديناميت السياسي بغية وقف اندفاعتها نحو الأمام، جاءت زيارة الأسد الى جدة، عشية بدء الرئيس المكلف سعد الحريري استشاراته النيابية، حتى تعيد خلط الأوراق وترسم سقفاً جديداً للحركة الداخلية التي كانت قد فقدت مؤخراً «ضابط الإيقاع» وبدا أنها تسبح في هواء التقديرات المتضاربة لأسباب التأخير في تأليف الحكومة.
ولئن كان لقاء الأسد ـ عبد الله على هامش افتتاح صرح جامعي لا يكفي بطبيعة الحال للكلام منذ الآن عن اتفاق سوري ـ سعودي حول كل المسائل الخلافية، إلا ان البعض في بيروت يفترض ان من شأن هذه الخطوة ان تعيد إحياء روحية «تفاهم أيار» الذي قام على قاعدة تسهيل إجراء الانتخابات النيابية وتشجيع تشكيل حكومة وحدة وطنية، بمعزل عن هوية الرابح في الانتخابات، فتحقق البند الاول وبقي الثاني «مجهول المصير».
وبهذا المعنى، من المتوقع ان يعطي تجدد التواصل على أعلى المستويات بين دمشق والرياض قوة دفع لمساعي تشكيل الحكومة ـ من دون أن تكون النتيجة سريعة بالضرورة ـ كما أنه سيحد من خطر استعمال لبنان ساحة مواجهة او مقايضة إقليمية ـ دولية، بما يعيد تفعيل الضوابط الأمنية والسياسية التي من شأنها ان تحول دون حصول أي انفجار داخلي كبير، ذي طابع مذهبي او طائفي، بحيث تنتظم من جديد اللعبة السياسية تحت سقف عدم تجاوز الخطوط الحمر وقواعد الاشتباك.
ويرى بعض العارفين ان مشهد جدة لن يأخذ مداه إلا إذا عثر على نصفه الآخر في دمشق بلقاء يجمع الرئيس الأسد والملك عبد الله والرئيس ميشال سليمان والرئيس سعد الحريري، بعد إنجاز تشكيل الحكومة، تتويجاً للاتفاق السابق الذي كانت القيادتان السورية والسعودية قد توصلتا اليه بـ«الأحرف الأولى» في مشاورات ما بعد العملية الانتخابية، قبل أن تدخل القُطب المخفية والظاهرة لاحقاً على خط تنفيس زخم التنسيق بين الرياض ودمشق.
ولكن، ما الذي جعل زيارة الأسد الى جدة ممكنة، بعدما كانت حتى ما قبل ساعات من حصولها مستبعدة؟
لا يمكن طبعاً فصل هذا التطور عن مسار الأمور في ملفات أخرى، وتحديداً في ملف التسوية العربية ـ الاسرائيلية التي تلقت صفعة موجعة من رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو بفعل رفضه الاستجابة للطلب الأميركي تجميد الاستيطان من أجل تسهيل استئناف المفاوضات مع الفلسطينيين والتطبيع مع العرب، ولعل هذه الفشل الاميركي، وبالتالي انسداد أفق التسوية كلياً في المدى المنظور، كان نقطة التحول في الموقف السعودي في اتجاه إعادة الانفتاح على دمشق، الأمر الذي أتاح للوساطة التركية ان تنجح في «الوقت القاتل».
وكانت الرياض قد تعرضت مؤخراً لضغوط اميركية من أجل الموافقة على تطبيع العلاقة مع إسرائيل من خلال تبادل فتح السفارات وإجراءات بناء الثقة من نوع رفع الحظر عن شركة الطيران الاسرائيلي «العال» واستضافة وفود إسرائيلية في السعودية، وذلك وفق تفسير الموفد الاميركي الى المنطقة ميتشيل لمفهوم السلام، على ان تنال الرياض في المقابل جائزتين: إطلاق يدها في هندسة عملية بناء السلطة في لبنان وفق ما يلائم مصالحها ومصالح حلفائها، وإقناع اسرائيل بوقف الاستيطان في الاراضي الفلسطينية المحتلة بما يبرر التطبيع.
ولكن الموقف الاسرائيلي المتشدد في رفض تجميد الاستيطان ساعد الملك عبد الله على التملص من «الرغبات الاميركية»، انطلاقاً من ان واشنطن عجزت عن إلزام تل أبيب بتجميد بناء المستوطنات وإطلاق مفاوضات التسوية، «فكيف نذهب الى التطبيع من دون ان تقدموا لنا شيئاً في المقابل.. ولماذا تدعون انتم الى حوار بين سوريا والعراق ولا تقطعون خطوط الاتصال بها، وتريدون منا نحن ان نذهب الى المواجهة مع دمشق»؟
ويروى في هذا السياق ان إحدى شخصيات «الأكثرية» اتصلت بالنائب وليد جنبلاط بعد نشوب الأزمة السورية ـ العراقية الأخيرة ومطالبة بغداد بمحكمة دولية، وقالت له: أرأيت.. لقد استعجلت في الانفتاح على دمشق، وها هم الأميركيون يطحشون مجدداً عليها. وبعد وقت قصير أدلى مصدر اميركي مسؤول ببيان دعا فيه الحكومتين السورية والعراقية الى حل مشكلاتهما بالحوار، فحمل جنبلاط الهاتف واتصل بالشخصية ذاتها وقال لها: العراقيون مثلك.. هم الذين تسرعوا «وفاتوا بالحيط».
.. أما من زاوية الرؤية السورية، فإن دمشق معنية بدورها في عدم استعداء المملكة العربية السعودية بما ترمز اليه من ثقل في المنطقة، وهي تعتقد أنه من الأهمية بمكان التنسيق مع الرياض في مواجهة محاولات تجويف المبادرة العربية للسلام من مضامينها الحقيقية عبر السعي الى فرض التطبيع المجاني والتسوية غير العادلة، وبالتالي لا بد من التمسك سوية ـ حسب ما ينقله المقربون منها ـ بالمعادلة الثابتة وقوامها: «لا تطبيع قبل تحقيق السلام العادل والشامل واستعادة الحقوق الفلسطينية والعربية». كما يهم دمشق ان تشعر الرياض بأن المثلث الإقليمي السوري ـ التركي ـ الإيراني ليس موجهاً ضدها ولا يستهدف إقامة نظام إقليمي جديد على حسابها.

← Back to Selected Articles