Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

بين المسجد الأقصى والهيكل الثالث ؟! - محمد السماك (المستقبل)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

شهد العالم منذ أيام عملية إقامة نموذج للهيكل اليهودي الثالث في باحة مجاورة للمسجد الأقصى في القدس. وتصادف هذه المبادرة اليهودية مع ذكرى محاولة إحراق المسجد في عام 1969، وهي المحاولة التي أسفرت عنها كردّ فعل، القمة الأولى للدول الاسلامية في المغرب وولادة منظمة المؤتمر الاسلامي. وكان أول أهم قرار اتخذته المنظمة الجديدة هو تشكيل لجنة خاصة برئاسة المغرب (الملك الحسن الثاني) لوضع استراتيجية اسلامية مشتركة من أجل تحرير القدس وانقاذ المقدسات من الخطر الذي يتهددها. فكما ان الصهيونية على حد قول أول رئيس للحكومة في اسرائيل دافيد بن غوريون تؤمن بأنه لا اسرائيل من دون القدس، ولا قدس من دون الهيكل؛ كذلك فان العالم الاسلامي يؤمن بأنه لا فلسطين من دون القدس، ولا قدس من دون المسجد الأقصى. من هنا العلاقة بين استهداف المسجد بالتدمير ومشروع بناء الهيكل.
توجد في مرتفعات الجليل في شمال اسرائيل بلدة صغيرة تعرف باسم "زريفات". عند غروب شمس كل يوم جمعة يتجمع الأصوليون من رجال الدين اليهود المعروفون باسم "بريسلوف هاسيديم" في الكنس ويرددون انشودة دينية يهودية عنوانها "ليكادولي"، ومعناها "ليأت من نحب". والذي يحبون ان يأتي وينتظرون مجيئه هو السيد المسيح. فهم لا يؤمنون بالمسيح الذي بعثه الله، ولكنهم ينتظرون مجيئه.
يقول الاعتقاد الديني اليهودي ان المسيح الحقيقي (؟) سيأتي بعد ظهر يوم جمعة. وانه سيظهر في بلدة زريفات التي تقع في جبل ميرون في الجليل. وانه سوف يتوجه من هناك سيراً على الأقدام الى القدس. والقدس تعني الهيكل. ولذلك لا بد من بناء الهيكل الذي سيطلق منه دعوته الخلاصية للعالم.
من اجل ذلك اتخذ الأصوليون اليهود من هذه البلدة -زريفات- محطة انتظار منذ العام 1900، أي منذ العهد العثماني. وأقاموا فيها مركزاً للدراسات الدينية الأصولية يعتبر المرجع الاساس للفكر اليهودي الديني المعاصر.
واذا كانت مجمعات الكيبوتز تخرّج المتطرفين اليهود في الجيش والادارة والاقتصاد، فان مجمعات "باشيفا" تخرج رجال الدين الاصوليين الذين يستعدون لمرحلة ظهور المسيح. ففي هذه المدارس الدينية يتم اعداد "الكوهانيم" وهم فئة من رجال الدين المتخصصين في اعداد وتقديم الضحايا في مذبح الهيكل عندما يُنجز بناؤه.
وقد تألفت في الولايات المتحدة منذ احتلال اسرائيل للقدس في عام 1967 هيئات دينية من اليهود ومن بعض الانجيليين المتصهينين الخارجين عن الاطار العام للمسيحية الكنسية الانجيلية والكاثوليكية والارثوذكسية، متخصصة في جمع الأموال اللازمة لتمويل بناء الهيكل ؛ وبالفعل جمعت اموال طائلة ينفق بعضها على المدارس الدينية (باشيفا)، وينفق بعضها الآخر على تمويل مشاريع الاستيطان في القدس بما فيها مشروع الاستيطان الجديد في جبل ابو غنيم، وينفق بعضها الثالث على تمويل حركة غوش ايمونيم (اي جبهة العقيدة) وهي واحدة من الحركات الدينية الأصولية المسلحة التي تقود حركة الاستيطان في الضفة الغربية وتتولى تنفيذ المخططات - غير الرسمية - لتدمير المسجد الأقصى وقبة الصخرة ومن ثم لإقامة الهيكل اليهودي.
يبقى أن بناء هيكل يهودي للتعبّد شيء، وتدمير المسجد الأقصى وقبة الصخرة وبناء الهيكل على انقاضهما شيء آخر. الذين يريدون بناء الهيكل فريقان. الفريق الاول من اليهود الذين يعتبرون انجاز هذا المشروع بمثابة تكريس ليهودية اسرائيل، وانطلاقة جديدة نحو تهويد بقية المناطق المحتلة من فلسطين. وما الاعلان عن يهودية اسرائيل وعن مطالبة الفلسطينيين والعرب والمسلمين بالاعتراف باسرائيل دولة يهودية سوى تعبير عن هذا الاعتقاد. والفريق الثاني من غير اليهود ومن غير الاسرائيليين، وتحديداً هم فئة من المسيحيين الانجيليين الاميركيين الذين يعتبرون بناء الهيكل شرطاً مسبقاً لا بد منه من اجل العودة الثانية للمسيح.
تؤمن هذه الحركة بالسيد المسيح وتنتظر عودته. اما اليهودية فانها لا تؤمن به أساساً ولكنها لا تزال تنتظر مجيئه. مع ذلك يلتقي الفريقان عند قاسم مشترك وهو تدميرالمسجد الاقصى وقبة الصخرة، ومن ثم بناء الهيكل اليهودي الذي يدّعون ان المسيح سوف يظهر فيه.
الفريق الأول الصهيونية المسيحانية - غير معني ببناء الهيكل من اجل العبادة. ولكنه معني اولاً وأخيراً بالنتائج المحسوبة لتدمير المسجد الاقصى. وهو وقوع حرب اقليمية تتورط فيها قوى العالم المختلفة، فتنفجر معركة هرمجيدون (نسبة الى سهل مجيدو الذي يمتد من القدس الى عسقلان على الساحل ) التي يؤمنون بأنها، بوحشيتها وبدمويتها حيث يقتل الملايين من البشر خلالها، تشكل البوابة التي لا بد منها لعودة المسيح. وهي العودة التي ينتظرونها ويعملون على التعجيل لها ايماناً منهم بأنها سوف تقضي على اعداء المسيح (اي على اليهود والمسلمين) بحيث لا يبقى من اليهود سوى 114 ألفاً فقط ينجون لإيمانهم بالمسيح العائد الذي يحكم الارض لمدة الف عام، ومن ثم تقوم الساعة!!.
أما الفريق الثاني من اليهود فيعتبر ان من يسيطر على ما يسمونه جبل الهيكل - حيث يقوم المسجد وترتفع القبة - يسيطر على القدس. وان من يسيطر على القدس يسيطر على فلسطين. كان بامكان هؤلاء اختيار اي موقع آخر لبناء الهيكل بعد ان اثبتت الحفريات الاثرية التي قام بها عالِم الآثار الاميركي غورون فرانز - بتكليف من معهد الارض المقدسة في القدس - عدم وجود اي دليل على ان المسجد الاقصى أُقيم في موقع الهيكل.
الا ان وجود المسجد ووجود القبة يعطيان القدس صورة المدينة الاسلامية بامتياز. وهم يريدون ازالة هذا الرمز لاعطاء القدس من خلال بناء الهيكل صورة المدينة اليهودية بامتياز.
اليهود ينتظرون ظهور المسيح اليهودي. وبموجب قانون هالاشا الذي وضعه اللاهوتي اليهودي بن ميمون في القرن الثاني عشر في الاندلس "يحظر على اليهودي دخول الجبل المقدس الى ان يأتي المسيح ". ولذلك ومنذ عام 1920 يتجمع عدد من علماء اليهود في قرية زريفات لقيادتهم في مسيرة على الأقدام الى القدس.
وتجمع "منظمة امناء الهيكل" بين الفريقين باعتبار ان لهما هدفاً مشتركاً وهو تدمير المسجد الأقصى وبناء الهيكل "الثالث". الفريق الاول -اليهودي- يحمل معاول الهدم. والفريق الثاني -الاميركي الانجيلي- يوفر الأموال اللازمة لتمويل المشروع كما يوفر له المظلة السياسية التي تحميه من ردود الفعل السلبية. والتمويل ليس فقط من اجل البناء. انما من اجل اعداد كهنة الهيكل. ولتحقيق هذا الهدف تأسست في واشنطن "مؤسسة معبد القدس" برئاسة القس رايزنهوف مهمتها جمع التبرعات والمساهمات المالية. وانشأت هذه المؤسسة في مدينة القدس القديمة معهداً خاصاً باسم "ياشيف اتيريت كوهانيم" اي معهد تاج الحاخاميين لإعداد الكهنة الذين سيخدمون في الهيكل الثالث بعد بنائه بما في ذلك مناسك التضحية بالحيوان. كما موّلت عملية تجري منذ سنوات لاختيار حجارة البناء وصقلها وتجميعها في موقع خاص الى ان تحين ساعة الصفر. وساعة الصفر، اي تدمير المسجد الاقصى يمني النفس بإعلانها يهودي هاجر من جنوب افريقيا في عام 1930 يدعى ستانلي غولد فوت، أعدّ سيناريوهات متعددة لاقتحام المسجد الاقصى بهدف تدميره، وهو الذي خطّط لجريمة إحراق المسجد في عام 1969. فكانت هناك محاولة لقيام طيّار في سلاح الجوّ الاسرائيلي "بسرقة" طائرة حربية مزوّدة بصواريخ مدمرة لقصف المسجد من الجوّ. وكانت هناك محاولة أخرى لزرع مجموعة من القنابل الشديدة الانفجار حول المسجد ومبنى قبة الصخرة. ولكن المحاولتين لم تُنفذا خوفاً من الضرر الذي قد يلحق من جراء ذلك بالحائط الغربي (حائط المبكى) الذي يقدسه اليهود ويعتبرونه الأثر الوحيد الباقي من الهيكل، وهو المعروف اسلامياً بجدار البراق.
وضع المهندس اليهودي "ايفي يوناه" تصميم الهيكل الثالث على اساس اقامته في موقع قبة الصخرة. وأقرّت التصميم الحاخامية في اسرائيل والدياسبورا. كما أقرّته المنظمات اليهودية المختلفة، وهو التصميم الذي نُصب أمام باحة المسجد الأقصى على مرأى ومسمع من العالم الاسلامي كله. ان كل شيء أصبح جاهزاً لبناء الهيكل ولم يبقَ سوى تهديم القبة وازالة المسجد الأقصى. فالقرار بالتهديم اتُخذ منذ عقود، اما التنفيذ فانه يبدو قاب قوسين أو أدنى. فهل عند المسلمين عامة، والعرب خاصة، ما يتعدى الشجب والاستنكار؟!.

← Back to Selected Articles