إلى الرفيق خالد حدادة.. ألم تفكر بالاستقالة؟ - ماهر ابي نادر (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
لم يكن النقاش الذي رافق الاحتفالات بذكرى المقاومة الوطنية هذه السنة مغايراً عنه في السنوات التي سبقت، ولن يكون مختلفاً عن النقاشات في السنوات التي ستلي، فالمقاومة الوطنية اللبنانية، بما هي فعل ضد فعل الاحتلال اصبحت في ذمة التاريخ منذ سنوات طويلة، وقد حلت محلها مقاومة إسلامية لا بل شيعية، وهنا أستطرد لأقول، إننا كيسار وكشيوعيين، نفاخر بكل فعل مقاوم ضد العدو الإسرائيلي كائناً من كان صاحبه.
وخلال قراءتي لمقالة الرفيق الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني الدكتور خالد حدادة في صحيفة «السفير» في عددها الصادر في 25 أيلول، لفتني في المقالة لغة التعمية، إن كان لجهة الحديث عن قوى اليسار او عن القوى التي أطلقت المقاومة. لذلك سأحاول أن أسمي الأشياء بأسمائها.
بداية كلنا يعرف ان القوى التي اطلقت المقاومة هي الحزب الشيوعي اللبناني ومنظمة العمل الشيوعي وحزب العمل الاشـتراكي العربي، وذلك في البيان الشهير الذي اصدره قادة هذه الاحزاب من منزل الشهيد كمال جنبلاط في منطقة وطى المصيطبة في بيروت بغياب اي مسؤول من الحزب التقدمي الاشتراكي. اين هي هذه الاحزاب اليوم؟
خرج حزب العمل الاشتراكي العربي من الخريطة السياسية اللبنانية منذ زمن بعيد، علماً بأننا كلنا نعلم ايضاً ان هذا الحزب كان الاسم اللبناني الحركي للجــبهة الشعبية لتحرير فلسطين. اما منظمة العمل الشيوعي، فقد اقفلت مكاتبها وصرفت كوادرها منذ انتهاء الحرب الأهلية عام 1991، وتحولت الى مجرد هيئة غير موجودة على ارض الواقــع، إلا من خلال بيان صحافي يصدر كل مدة عن جهة مجهولة لدى الكثير من ابناء الجيل الراهن لشبابنا.
ونأتي الى الحزب الشيوعي، لقد تعرض هذا الحزب لزلازل كبيرة لا تزال هزاتها الارتدادية تضرب الحزب من اعلى الهرم فيه الى اعمق القواعد. فحتى اغتيال جورج حاوي، الأمين العام للحزب عند إطلاق المقاومة الوطنية عام 1982 يحمل في المشهد السياسي اللبناني التباساً كبيراً، اذ ان قوى 14 آذار تعتبره شهيدها فيما الحزب يصر على اعتباره شهــيده، بالرغـم من ان حاوي عند استشهاده وقبلها بسنــوات كان في المنطقة الرمادية للمشهد السـياسي، محاولاً ان يجد موقعاً ما في هذا المشهد. اما قيــادة الحزب التي رافقت حاوي منذ المؤتمر الثاني للحزب عام 1968فقد تبعثرت بعد رحيله من قيادة الحزب في مطلع التسعينيات، بين من انكفأ في منزله معتزلاً العمل السياسي، وبين من بدأ يبحث عن موقع شخصي له في الخريطة السياسية.
غير ان الأحزاب الآنفة الذكر وإن كانت تمتلك شرف اطلاق الشرارة الاولى للمقاومة الوطنية فهي لم تشكل القوى الوحــيدة لها، بل لعـبت دور المحرك والمحفز لقوى علمانية اخــرى سرعان ما احتلت لها موقعاً مهماً في الميدان العملياتي، ومنها حزب البعث العـربي الاشتراكي (بشقه السوري) والحزب السوري القومي الاجتماعي. وهنا نقف قليلاً امام هذين الحزبين، اللذين أخليا الساحة المقاومة في المرحلة نفسها التي اوقفت الاحزاب اليسارية عملها المقاوم. وقد ادى الارتباط العضوي لحزبي البعث والقومي بسوريا الى ان يشاركا في «نعيم» السلطة.
بعد هذه القراءة نعود الى مقــالة الرفيـق خالد حدادة، اذ يقــول «إن انتقــاد تذكر التاريخ يصبح ايجابياً اذا ارتكز على جوانب تقصير عند اهل المقاومة المؤســسين (اليسار) وهي جوانب موجودة فعلاً وموقــع نقــاش جدي، يجـب على جمــيع القــائلين بالانتماء الى اليسار المساهمة فيه وكــشف آليــات تجاوزه باتجاه استعادته لموقعه في القضية الوطنية..».
ان قراءتنا لهذه الفقرة بدقــة تظهر كم ان حدادة لا يزال يعيش في التاريخ ويــأبى ان ينتقل الى الحاضر، فبعد ان اجرينا جردة حساب لواقع اهل المقاومة المؤسسين (اليسار) نرى انه لم يبق منهم في المشهد السياسي سوى الحزب الشيوعي، وإن كان على مساحة تضيق يوماً بعد يوم. ولكن هذا لا يمنع من بروز حركات يسارية صغيرة هنا وهناك، إضافة الى بروز شخصيات يسارية من مخلفات «المؤسسين» لحركات اليسار في لبنان، وقد قام الحزب الشيوعي بلفتة جيدة عندما دعا الى اجتماع تشاوري لهذه الشخصيات والحركات اليسارية في ربيع العام الماضي، ولكن سرعان ما تراجع الحزب عن خطوته، بأن أهمل التواصل الجدي مع هذه الحركات والشخصيات، ووصل الى ذروة الإهمال لها عشية استحقاق الانتخابات النيابية في حزيران الماضي.
إن القول بأن التغيير السياسي يشكل واحداً من اهم أشكال، ان لم يكن الشـكل الوحيد المتبقي، لدعم حركة المقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي في المرحلة الراهنة، إن هذا القول يشكل نقطة خلاف جوهرية مع رؤية قـادة المقاومة الاسلامية، فــهذه المقاومة بــما هي حركة تحمل طابعاً مذهبياً (الشيعة) تجد ضمانتها اولاً في سلاحها وفي دعم الجمهور الشيعي غير المحدود لها بصفته يشكل جبهة المواجهة الديموغرافية مع الاحتلال الاسرائيلي، كما ترى في الشراكة المذهبية في النظام مع مذاهب اخرى عملية استكمالية للضمانة الاولى (السلاح) وهي مفيدة، ولكنها ليست اساسية بالمطلق. وقد عبر مؤخـراً عدة مســؤولين في حزب الله عن هذا الموقف بإعلانهم ان المقاومة لا تطلب ضمانة من احد لأن ضمانتها بسلاحها وجمهورها.
عن قصد او عن غير قصد، اعدم الحزب الشيوعي، الملتقى التــشاوري لقـوى وشخصيات اليسار عند اول امتحان له، فللأسف راهن الحزب على الانضواء تحت لوائح قوى الأقلية النيابية التي يقودها حزب الله بمجرد أن لوح له حزب الله بإمكانية هذا الانضواء، فغيب التشاور مع قوى اليسار وغيب موقفه من قانون الانتخابات الذي على اساسه جرت هذه العملية التافهة، وركض لاهثاً نحو مفاوضات عقيمة مع حزب الله.
ويقول حدادة في مقالته أيضاً: «والمؤسف ان بعض المناقشين ومن موقع الانتماء اليساري يعرض مواجهة الفعل الوظيفي الاول لقوى النظام، يعرض في مواجهة ذلك فصلاً وظيفياً مماثلاً لقوى المقاومة...فالمقاومة الحاضرة تقود النضال الوطني وعلى الجميع دعمها في هذا المجال وحمل رايتها، والمقاومة الماضية عليها الاكتفاء بفتح ميدان خاص بها هو ميدان النضال المطلبي والاجتماعي...ان هذا المنطق يحاول او هو يدل على استغباء الآخر...».
مَن يستغبي مَن ؟ الا تذكر تظاهرة المعلمين «المليونية» الى ساحة رياض الصلح التي تحدث فيها الرفيق حنا غريب، عضو المكتب السياسي للحزب؟ ان هذه التظاهرة ما كانت لتحشد كل هذا الحشد لو لم يكن لحزب الله المشاركة الأكبر فيها تحت غطاء مطلبي يقوده الحزب الشيوعي ولم يجد حزب الله ضيماً في ذلك، طالما انها كانت تتقاطع بطريقة او بأخرى ان لم نقل تصب في طاحونة برنامجه السياسي في تلك الفترة. يجب ألا يغيب عن الأذهان الشـرارة الاولى الميدانية التي اطلقت احداث السابع من ايار في العام الماضي، إنها كانت دعوة الى الإضـراب التي وجهها الاتحاد العمالي العام ضد السياسة الاقتصادية للحكومة البتراء في ذلك الحين. استنتاجاً لقد دخل الحزب بقيادتكم يا رفيق خالد في اللعبة التي تنــتقدون الدعاة اليها اليوم (...).
إن حزباً يتعرض لهزيمة كالتي تعرض لها الحزب الشيوعي اللبنــاني في الانتخابات النيابية بعد اقل من شهرين من انعــقاد مؤتمره ولا يهتز ابداً لهذه الهزيمة ولا يستــقيل او يقال احد من قادته او مسؤوليه هو حزب ميت، إني أقـول ذلك والألم يعــتصرني والغــضب يغلي في عروقي كما في عروق آلاف الشيوعيين على امتداد الوطن وفي المهاجر. إن الفعل المقاوم الوحيد الذي بإمكانك ان تفعله يا رفيق خالد الآن وبعد هذا الأداء الـسيئ لك ولقــيادة الــحزب في الانتخابات هو ان تتقدم باستــقالتك وأن تدعو المكتب السياسي واللجنة المركزية الى إطلاق ورشة تحضير جدية لمؤتمر استثنائي للحزب.